مع دخول السنة المالية الجديدة في أول أكتوبر الجاري، بدأ الشدّ والتجاذب بين المحافظين والديمقراطيين، حول وضع الموازنة موضع التنفيذ. أرقامها النهائية غير محدّدة بعد. وهي مرهونة بحصيلة المساومة الصراع بين الجانبين، اللذين تفصل بينهما هوة واسعة غير مألوفة في المقاربة للإيرادات والإنفاق كما في الأجندة. يفاقمها حجم العجز غير المسبوق.

وإذا كانت البنود كافة مهدّدة بخفض من العيار الوازن، فإن حصة وزارة الدفاع محاطة بحرص جامع على أن يطولها مقص القطع بصورة رمزية فقط، على الرغم من أنها تمثل أكبر شريحة في الموازنة. على أن يقتصر ذلك على النفقات الإدارية وليس على حساب برامج التسليح، باعتبار أن " التحديات الراهنة والقادمة خطيرة"، خاصة من الناحية النوعية. وفي ذلك إشارة إلى ما أطلقت عليه إدارة الرئيس السابق جورج بوش " الحرب على الإرهاب ".

 

ضغط النفقات

ولقد حظى هذا الجانب من الضغط الإجباري للنفقات، والذي فرضه العجز المالي المنفلت من عقاله، بمعظم المداولات في الآونة الأخيرة، كونه يمس عصباً جوهرياً في إستراتيجية أميركا العالمية. ولقد صدرت كتب ودراسات، وعقدت حوله ندوات تخللها مطالعات ونقاشات، كالتي نظمها قبل أيام مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية في واشنطن بعنوان "الدفاع في زمن التقشف " والتي تحدث فيها وزير الدفاع الأسبق وليام كوهين . محور النقاش في هذا الخصوص يدور حول نقطة مركزية: كيف يمكن لأميركا الحفاظ على مكانتها في مرحلة الهبوط التي تشهدها ؟

الوضع الاقتصادي متعثر بل مهدّد بانتكاسة ركود جديد. ضغوط عجز الموازنة والديون فرضت تصغير الموازنة ومنها الشق العسكري، ولو بصورة جزئية. القرار السياسي شبه مشلول بتأثير توازن سياسي في الكونغرس، حيث يمارس فريقه المحافظ سياسة التنفير والكراهية التي تعيد التذكير بالفترة المكارثية في الخمسينات وخطابها التحريضي والإتهامي. خاصة تجاه أوباما وسياساته الداخلية وبذلك فصورة واشنطن في العالم ليست على ما يرام.

في هذا الصدد هناك مدرستان: واحدة تقول:" صحيح أن الولايات المتحدة تمر في مضيق محفوف بالمخاطر، لكنها ما زالت الأولى في العالم في المرتبة الاقتصادية والعسكرية وحتى الثقافية. وكل ما تحتاجه الآن هو ترتيب بيتها الداخلي لتخرج من حالة الارتباك. ومثل ذلك يتطلب وقف التدهور في عجزها من خلال لملمة موازنتها، ومن ضمنها الإنفاق العسكري، شرط أن لا يؤثر ذلك على " دورها ومسؤولياتها في الخارج". وهذا يعني أن لا يؤثر على حضورها وتفوقها الاستراتيجي.

المدرسة الثانية لا تخفي قلقها من آثار التردي الاقتصادي والصعوبات المالية على وضع أميركا العالمي. وبالذات على موقعها العسكري، الذي ما زال نقطة التفوق بامتياز. رئيس الأركان السابق الأدميرال مولن، سبق وحذر قبل إحالته على التقاعد آخر سبتمبر الماضي، من مثل هذه المضاعفات. ورأى أن تفاقم العجز لا بدّ وان يؤدي إلى المزيد من الضغوط على موازنة البنتاغون. وبالتالي على حرية الحركة العسكرية الأميركية في العالم.

أما خليفته، الجنرال مارتن دامبسي، فقد كان واضحاً، في هذا الخصوص، يوم تسلّمه مهامه في الأول من أكتوبر الجاري،. لقد اكّد على وجوب التعويض عن تراجع التمويل " بالمزيد من الفطنة والتجديد في النظرة لمواجهة التحديات". ويذكر انه قال في ردّه على سؤال حول طبيعة هذا التعويض، بعد حلفه اليمين يوم تسلمه مهامه: " ان شاء الله" بالعربية، التي تعلّمها في سياق قيامه سابقاً بمهام عدة في المنطقة.

 

تعزيز الموازنة

اليمين الأميركي يدفع باتجاه تعزيز موازنة البنتاغون. خصومه لا يجرؤون أو لا يعترضون على الوقوف ضدّ هذا التوجه، وذلك لأسباب متداخلة محلية ودولية. قلّة يمثلها تيار " الليبرتاريان " المحافظ والمتواضع الحجم، تدعو إلى تحرر أميركا من الالتزامات العسكرية في الخارج، مثل النائب رون بول وهو أحد مرشحي الرئاسة. وموازنة إدارة أوباما لعام 2012، البالغة 3,7 تريليونات دولار، عرضة للتخفيض. من أصلها 538 مليار دولار للبنتاغون، ما عدا نفقات حرب أفغانستان وبقاء قوات في العراق.

يعني نسبة 1 إلى 6 من الموازنة، مخصص للأغراض العسكرية. الخفض المتوقع حالياً لهذه الحصة، في حدود الخمسين مليار. يعني تقريباً بنسبة 1 إلى 26. مقارنة بين النسبتين تكشف مدى الإصرار والإجماع في واشنطن على التمسك بالتفوق العسكري الاستراتيجي، حتى ولو على حساب بقية الأولويات، الاجتماعية والتعليمية والعلمية والصحية، ناهيك عن تلك المتعلقة بالبنية التحتية التي باتت بأمس الحاجة إلى الترميم والتجديد. وكأن أميركا صارت تردّد كما كان يتردد عندنا في المنطقة، بأنه " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ".