كانت أضواء واشنطن واهتماماتها الخارجية موجهة بمعظمها، خلال الأيام الأخيرة من سبتمبر، باتجاه موضوع الدولة الفلسطينية وتطورات الأزمة المالية الأوروبية. لكن قلقها العميق كان في ميدان آخر. علاقاتها مع إسلام آباد، تعرضت لجرعة جديدة من التدهور، قد تكون لامست معها تخوم العطب العصي على الإصلاح. بل أكثر من ذلك، إذ ربما تكون قد وضعت الحليفين على طريق التحوّل إلى خصمين لدودين. فلأول مرة تستخدم واشنطن لغة الاتهام المباشر لإسلام آباد بالضلوع في استهداف مصالحها في أفغانستان.

 كما ترد باكستان لأول مرة بالتحذير من انهيار العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وباستنفار سلاحها الجوي لإسقاط أي طائرة تخترق مجالها الجوي. لغة جديدة إذن تنذر بالمزيد من التردي وتأتي على امتداد تأزم تواصلت فصوله خلال السنوات الأخيرة، وفشلت المحاولات والوعود والضغوط كافة في تجاوزه. بل وفي الحدّ من تصعيده والحيلولة دون وصوله إلى محطته الراهنة، التي صارت معها العلاقات المعروفة بينهما وكأنها على وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. كفة التشدّد والتباعد باتت راجحة في واشنطن كما في إسلام آباد.

 

جولة من التصعيد

بدأت الجولة الأخيرة من التصعيد، على إثر الإفادة الأخيرة التي أدلى بها رئيس الأركان الأدميرال مايكل مولن، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، حيث اتهم المخابرات الباكستانية بناء على معلومات موثوقة، بأنها لعبت دوراً مباشراً في دعم الهجوم الأخير على السفارة الأميركية في كابول. كما قال ولأول مرة أيضاً، بأن تنظيم حقاني الذي قام بالهجوم هو الذراع الفعلية لهذه المخابرات. كلام كان يدور بالهمس منذ فترة في واشنطن. المجاهرة به وعلى لسان رئيس الأركان، أثار موجة ردود فعل ناقمة وعلى نطاق واسع، ضدّ باكستان.

بعضها مشحون بالتحريض، من زاوية أن ضرب السفارة هو اعتداء على السيادة التي تمثلها، وبالتالي فإن من قام به يندرج في خانة العدو، الذي يقوم بنوع من الحرب الخفية على أميركا. وفي هذا السياق تجدّدت الحملة ضدّ مواصلة المساعدات السنوية لباكستان والبالغة نحو 2.7 مليار دولار.

 

ارتياب متبادل

كان مسار هذه العلاقة، التي نخرها الارتياب المتبادل، محكوما ببلوغ هذه النقطة. الإشارات توالت تباعاً في هذا الاتجاه منذ حرب أفغانستان قبل حوالي عشر سنوات. وفي السنة الأخيرة، على وجه الخصوص، أخذت منحى التدهور المتزايد والمكشوف. الرئيس اوباما من جهته قال: إن السرطان موجود في باكستان ، في إشارة إلى طالبان وغيرها من التنظيمات المسلحة الموجودة على أرضها. وفي هذا السياق تصاعد الغمز أن هذه التنظيمات، خاصة تنظيم حقاني، تتمتع بدعم ومساعدة المخابرات الباكستانية. ثم توالت الاحتكاكات: جرى استهداف نقطة عسكرية باكستانية على الحدود.

ردّت إسلام آباد بإغلاق الممر الذي تسلكه شاحنات الإمدادات لقوات التحالف في أفغانستان. وفي مطلع الربيع أوقفت السلطات الباكستانية أحد رجال السي آي إيه في مدينة لاهور، بعد إقدامه على قتل مواطنين باكستانيين. أصرّت واشنطن على إخلاء سبيله، بحجة الدفاع عن النفس. وبعد جدل ساخن، أفرج عنه. لكن الحادثة تركت بصماتها السلبية على العلاقات. وقبل أشهر جاءت عملية بن لادن، لترفع منسوب التوتر إلى مستوى جديد. وعلى خلفية هذا التراكم والاحتقان، جاء ضرب السفارة الأميركية واتهام مخابرات إسلام آباد بالضلوع فيها، ثم تحذير القوات الباكستانية بالتصدي لأي طيران عسكري فوق أراضيها.

هل وصلت العلاقات إلى نقطة اللاعودة ؟ يبدو أن كلا الجانبين يتعمّد من خلال التصعيد مخاطبة جمهوره الذي يطالب بالتشدد مع الطرف الآخر ، كما يقول لاري كورب، الباحث والخبير في سنتر فور أميركان بروغرسّ بواشنطن، في جوابه على سؤال البيان . ويضيف: من المستبعد أن تقدم إسلام آباد على إسقاط طائرة أو مروحية أميركية. فهي ربما ترمي من رفع عيار خطابها إلى تضخيم الأزمة وبما يحمل العاصمتين على البحث عن صيغة تسوية تفرضها حاجة كل منهما للأخرى.

لكنه استبعاد لا يشاركه فيه كثير من المحللين في مؤسسة بروكنغز وغيرها، الذين سبق وحذروا من انفجار أزمة خطيرة بين البلدين لو غابت الحكمة في باكستان . آخر المعلومات أن المخابرات الباكستانية أعطت وعداً جديداً بالتشدد مع حقاني. المشكلة أن كل طرف يطالب الآخر بما لا يقوى أو يقبل بتقديمه. لذلك الأزمة يجري تأجيلها فقط.