تبدو الدورة العادية للمنظمة الدولية، الجارية أعمالها منذ أيام، فريدة بكل المقاييس. لها طابع خاص ومتميز عن سابقاتها. ليس فقط لأنه كان على جدول أعمالها بند غير اعتيادي. بل لأنها بدت وكأنها استعادت موقعها كمرجع أساسي ووحيد، لإصدار صكوك الشرعية الدولية. بصرف النظر عن المناورات والضغوطات والمساومات التي أدّت في معظم الأحيان، إلى تخفيف أو تعطيل هذه المهمة.

بالرغم من ذلك، بقيت شرعيتها في منزلة لا يمكن الاستغناء عنها في نواميس العصر ومنظوماته. لذا هي تفرض شرعيتها ووزنها، مهما كانت رمزية. ولا أدلّ على ذلك من الهستيريا التي أصابت إسرائيل، واستطراداً واشنطن، لمجرد أن عزمت السلطة الفلسطينية على اللجوء إلى الأمم المتحدة لمطالبتها بالاعتراف بدولتها الموعودة.

فالدولة العبرية التي دأبت لعقود، على ضرب القرارات الدولية بعرض الحائط، هالها أن تمنح فلسطين مثل هذا الصك، الذي لا تقوى على تجاهل آثاره. حتى لو بقي في المدى القريب حبراً على ورق. كما هالها بالدرجة نفسها وأكثر أن يجري تمكين المنظمة الدولية من النهوض بهذه الوظيفة الأصلية، التي جرى تغييبها بتواطؤ الكبار ولعبة التوازنات والمعادلات بينهم، التي دفع ثمنها الصغار.

 

معاناة

منذ أن أبصرت النور في أواخر أكتوبر من عام 1945 والأمم المتحدة تعاني من العجز والتعجيز عن الانضباط في المسار المرسوم لها في ميثاقها. غالبا ما شردت عن السكّة المحددة لها. بدل أن " تقوم بمنع الحروب "، جرى توريطها في تجاهل حروب وقبول توصيفها بأنها كانت من باب ال " دفاع عن النفس "، مثل عدوان ال67. أو في التوطئة ولو بصورة ملتوية، لبعض الحروب، مثل غزو العراق، وبدل أن تتولّى جمع وتشجيع الأطراف المتنازعة على " الحوار "، جرى عزلها عن هذا السياق. وهذا ما حصل أيضا لحضورها المطلوب من أجل "حماية السلام". ناهيك عن شلّ قدرتها على ترجمة قراراتها. حتى التي جري التصويت عليها بالتوافق.

وإذا كانت الدول الكبرى الخمس قد ساهمت بحد أو بآخر في هذا الشطط، بالتراضي أو بالتباين، إلا أن الولايات المتحدة كان لها الباع الأطول في هذا المجال. فهي طالما أرادت من الأمم المتحدة أن تكون " إحدى أدوات سياستها الخارجية ". أكثر من مسؤول أميركي جاهر بذلك. رئيس لجنة العلاقات الخارجية الأسبق السناتور الجمهوري المتشدد جاسي هلمز، أوقف في التسعينات تسديد حصة واشنطن 25% -- من موازنة المنظمة، بحجة عدم التزامها بالإصلاحات المطلوبة. في الواقع كان موقفه نوعا من المعاقبة لهذه الأخيرة، بزعم أنها تمارس الانحياز الفاقع ضد أميركا وإسرائيل. وهذه ثقافة ما زالت شائعة في واشنطن.

 

خطة

لقد ساهمت الدولة العبرية إلى حدّ بعيد مع مفاتيحها الأميركية، خاصة في الكونغرس، في الترويج لهذا الخطّ. وبذلك وضعوا المنظمة الدولية في خانة المخرّب للمصالح الأميركية، وباتت موضع ارتياب وتشكيك. حتى في طروحاتها غير السياسية، مثل موضوع الاحتباس الحراري، والاتفاقيات التي ترعاها، مثل اتفاقية تحريم زرع الألغام الأرضية وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي رفضت واشنطن التوقيع عليهما. إن تزامن ولادة الأمم المتحدة مع وقوع نكبة فلسطين، جعل تاريخ الأولى مقترن بتاريخ القضية. فهذه كانت شبه دائمة الحضور، من البداية، في مداولات الجمعية العمومية ومجلس الأمن.

لكنه حضور جرى تهميشه وتفريغه من مضمونه في أكثر من خمسين فيتو استخدمتها واشنطن في مجلس الأمن منذ 1947 ولغاية 2007 لتعطيل قراراته ضدّ إسرائيل. فضلا عن تصويتها السلبي على نحو 18 قرارا لصالح فلسطين في الجمعية العمومية، بالإضافة إلى قضايا دولية أخرى، وقفت هذه العاصمة الكبرى أو تلك، ضدّ معالجتها، وفق نصوص الميثاق وروحه.

مما جعل هذه المرجعية الدولية، مؤسسة شبه معطوبة عموماً، باستثناء القيام بمهمات إجرائية، مثل قوات حفظ السلام وعمليات الإغاثة وعقد المؤتمرات الدولية، الصحية والمناخية وغيرها. وقد تجلّى عجزها بأوضح صوره، في غياب حضورها الفعّال عن الملف الفلسطيني. اليوم أمامها، بالأحرى أمام دولها الأعضاء فرصة للارتقاء بدورها من الإجرائي، على أهميته، إلى الأساسي. أو على الأصح إلى الدور المؤسس لسلام حقيقي يستجيب للغاية التي وجدت من أجلها.

طلب العضوية لدولة فلسطين، استحقاق طال انتظاره. احتضانه وبقوة من جانب الأمم المتحدة، يعيد لها شيء من هذا الدور ويعزّز مصداقيتها. بخلافه تبقى أداة تعمل بقاعدة الاستنساب، الذي يترك السمك الكبير يفترس السمك الصغير، مع كل ما يجرّه ذلك من تهديد للسلام العالمي.