فتح اقتراب الموعد المقرر لانسحاب القوات الأميركية من العراق أكثر من ملف، ففي واشنطن جاء موضوع العلاقة الأمنية اللاحقة مع بغداد في الصدارة. وهل يتم التوصل إلى اتفاقية بهذا الخصوص بين الجانبين ؟ وكيف ستكون صيغتها، وما حجم القوات المزمع تركها في العراق بعد نهاية ديسمبر ؟ والأهم من ذلك، ما هو دورها ؟ هل هو تدريبي أو مساند ودفاعي جوي واستخباراتي أم كل ذلك معاً، بالإضافة إلى ضمانه لاستمرار المعادلة السياسية القائمة في بغداد والحفاظ عليها؟ وأسئلة كثيرة طرحها هذا الاستحقاق، ويدور حولها الآن نقاش مستفيض بين مختلف الدوائر الأميركية.

 

فراغ أمني

بموازاة ذلك ولا يقل عنه أهمية، يتناول الجدل احتمال نشوء " فراغ أمني" في العراق، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر إقليمية، في أعقاب مغادرة هذه القوات. لاسيما أن موضوع الاتفاقية الأميركية - العراقية المزمع عقدها ما زال غير محسوم، وأن البلد شهد مؤخراً موجة من التفجيرات والاغتيالات التي استحضرت مشهد السنوات الماضية، وإن لم يكن بالدرجة نفسها. الأمر الذي حمل الكثير من المراقبين والخبراء الأمنيين التحذير من التداعيات المحتملة، في ضوء هشاشة الوضع العراقي الداخلي وتأثير الجوار المتزايد نفوذه عليه.

وكان من اللافت أن ينضم الصوت التركي إلى صفوف المتخوفين. فقد ذكرت تقارير أميركية أخيرة أن حكومة أردوغان طلبت من إدارة أوباما الموافقة على نقل قواعد الطائرات الروبوتية، الموجهة عن بعد، من العراق إلى تركيا بعد الانسحاب، بزعم أن هذه الطائرة كانت تقدم معلومات استكشافية جوية لأنقرة عن تحركات مقاتلي حزب العمال الكردي على الحدود التركية العراقية، وأن القوات التركية بحاجة إلى استمرار هذه الخدمة.

لكن على أهمية هذه المساعدة، يبدو أن الطلب التركي لاستضـــافة هذه الطائرات، العاملة بدون طيار، والتي اكتسبت شهرتها من عملياتها في باكستان، ينطوي على ما هو أبعد من خدمة من هذا النوع. فهو يأتي في لحظة تنامي الحضور التركي في الإقليم. كما في ظلّ مستجدات متسارعة تشهدها المنطقة، وما رافقها من توتر في علاقات أطرافها.

 

ضبابية القرار

موضوع بقاء قوات أميركية في العراق بعد نهاية العام الجاري، رافقه وما زال يرافقه الكثير من الالتباس والضبابية والتمويه. كلا الجانبين يريده. وكلاهما يتظاهر بالعكس، مراعاة لحساباته الداخلية. وهذا ليس سرّاً في واشنطن. ولو أن هذه الأخيرة تسعى إلى الاتفاق بإلحاح، أكثر من بغداد. مع ذلك ما حفلت به تصريحات المسؤولين من تباينات أثار تساؤلات. وزير الدفاع ليون بانيتا، نسب إليه اقتراح بترك قوة من 3 إلى 4 آلاف جندي. القيادة الميدانية، نقل عنها أنها أوصت بحوالي أربعة أضعاف هذا العدد. لا الوزير نفى ولا القيادة.

من جهة ثانية تقول الخارجية الأميركية أن المباحثات بدأت مع بغداد لإقامة "علاقة تدريب عسكري" معها بعدما "أعربت حكومة المالكي علناً عن رغبتها في مثل هذه العلاقة". في حين كان الرئيس أوباما قد وعد بانسحاب تام مع نهاية ديسمبر، ما لم تطلب بغداد استبقاء قوات أميركية بعد هذا التاريخ. والمعروف أن العراق لم يتقدّم رسمياً، حتى الآن، بمثل هذا الطلب. مع ذلك بدأ التــفاوض حول مهمة ما زالت غامضة. وسط هذه البلبلة كشف النقاب عن الطلب التركي. إدارة أوباما، تنظر في الموضوع، الذي يحظى بتأييد قيادات عسكرية أميركية.

حسب التسريبات. وحده الكونغرس اعترض، بسبب طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة. لكن واشنطن تعمل على تفكيك الأزمة بين أنقرة وتل أبيب. فقد أقنعت أردوغان بعدم زيارة غزة. والخارجية الأميركية ردّت بصورة غير مباشرة على وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي هدّد بدعم حزب العمال الكردي، بالقول إنها ما زالت تعتبر هذا الحزب " تنظيما إرهابيا". وكان من اللافت أن المسؤولين الأميركيين حرصوا، منذ نشوب هذه الأزمة على مراعاة الجانب التركي. وقيل إن الإدارة نصحت إسرائيل بالاعتذار لأنقرة، بسبب عدوانها على السفينة "مرمرة".

 موقف يعكس الحرص على تعزيز الشراكة مع أنقرة، لمرحلة ما بعد الانسحاب من العراق. ثمة مراهنة في واشنطن على دور تركي لموازنة الثقل الإيراني في المنطقة. خاصة في عراق ما بعد 2011 . التوقعات أن تبقى خدمات طائرات الاستطلاع "درون "، متوفرة بشكل أو بآخر لتركيا، في مطاردتها لمقاتلي حزب العمال الكردي. لكن التلويح الآن بإدخالها إلى المسرح التركي، يحمل أكثر من رسالة.