الخلافات والشكوك في واشنطن، وحتى داخل الإدارة الأميركية، حول الاستراتيجية المعتمدة في أفغانستان، ليست جديدة. من البداية كانت موضع جدل وارتياب. إدارة بوش وقعت في الارتباك والأخطاء ونالت نصيبها من المآخذ. وأيضاً إدارة أوباما، ولو بدرجة أخف.
والآن بعد عشر سنوات على أطول حرب أميركية ما زالت مفتوحة من غير أفق، يتجدّد الخلاف وبصوت أعلى. وهذه المرة بين البنتاغون والقيادة الميدانية من جهة وبين وكالة الاستخبارات المركزية سي آي ايه، من جهة أخرى. القيادة ترى أن استراتيجية التصعيد التي وضعها الجنرال بترايوس قائد قوات التحالف لغاية نهاية يوليو الماضي والتي انحاز إليها الرئيس أوباما، مؤثرة لكنها تحتاج إلى وقت. السي آي ايه، تقول ان هذه الاستراتيجية تسير في طريق مسدود.
المفارقة أن هذه الأخيرة، التي تنعي الخطة هي نفسها التي أشرفت واضطلعت بدور المنفذ لعمليات القصف الجوي بطائرات من غير طيار لمخابئ ومواقع عناصر القاعدة وطالبان في باكستان، والتي سجّلت حسب الخبراء نجاحاً ملحوظاً في مهمتها. تقديرها ورد في تقويم لها عن الوضع العسكري في أفغانستان، صدر قبل أسابيع قليلة وتمّ تسريب معلومات منه إلى التداول.
واللافت للنظر أن يتم كشف ذلك التباين عشية تسلّم بترايوس لمهامه الجديدة كمدير لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، مع قناعته وخطته الأفغانية. الأمر الذي ينبئ إما بتفاقم الخلاف حول مسيرة الحرب، ويطيل بالتالي من عمر الورطة وانعكاساتها السلبية، خاصة على أوباما الواقف على عتبة معركة تجديد صعبة لولايته، وإما أن يتولى بترايوس زيادة عسكرة السي آي ايه أكثر مما هي الآن، ليس فقط في الحرب الأفغانية ودورها القتالي البارز فيها فحسب، بل ربما في دورها الخارجي عموماً، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر وتوسيع لدائرة النزاعات. وبالتحديد في تلك المنطقة.
دور مثير للانتقاد
تقوم وكالة الاستخبارات المركزية أصلاً، بدور الجامع للمعلومات الخارجية، عن طريق التجسس، والمحلل لها. تقدم خلاصة وظيفتها المزدوجة إلى مطبخ القرار في البيت الأبيض. في العقدين الأخيرين، كان هذا الدور موضع انتقادات علنية. أخذ على الوكالة فشلها في توقع الانهيار السوفييتي. واخيرا، تجدد النقد لعجزها عن التنبيه من الربيع العربي. قيل عنها انها مؤسسة تنتمي إلى عصر الحرب الباردة ولم يعد لها فائدة. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر حصلت الوكالة على شحنة من التجدّد. لكن هذه المرة من الباب القتالي السرّي.
وقد برز هذا الدور في أوضح تجلياته في باكستان عبر غارات الطائرات الموجهة عن بعد، التي أدّت إلى اغتيال العديد من كوادر وعناصر القاعدة وطالبان مع كثير من المدنيين الأبرياء، وكذلك عبر عملية بن لادن بالاشتراك مع عناصر من القوات الخاصة. تقوم بمثل هذه العمليات «وحدة محاربة الإرهاب» في الوكالة، التي نمت بالحجم والدور منذ ذلك الحين، والتي باتت «مؤسسة داخل الوكالة»، كما يصفها أحد مسؤوليها السابقين. أو ربما تحولت إلى «آلة قتل»، على حدّ وصف مسؤول آخر، لم تذكر صحيفة واشنطن بوست اسمه. ولا تخفي أوساط ومنظمات مدنية قلقها من تضخم دور الوكالة القتالي، بحيث باتت تضطلع بمهام عسكرية، من دون أن تخضع للمحاسبة التي تطبق على القوات المسلحة.
جرس الإنذار
تسليط الأضواء على هذه الجوانب من دور مؤسسة، طالما أخذت حساسية نشاطاتها بعين الاعتبار، وهذا لا يقل عن دق جرس الإنذار من التحوّل الحاد الذي شهدته في السنوات الأخيرة. لاسيما وأن دورها هذا مرشح للتضخم بصورة أكبر، في ضوء التعثر الذي تواجهه الحرب على الأرض، كما في ضوء تولي بترايوس دفة الأمور فيها. فهو مصرّ على أن التصعيد مثمر في نهاية المطاف. والرئيس اوباما، المتعجل بتنفيذ ما وعد به من انسحاب جزئي مع نهاية العام، وخروج نهائي من أفغانستان في عام 2014، يتماهى مع مثل هذا الدور، بحكم الحاجة السياسية، وليس بالضرورة بحكم القناعة.
ومعروف أن أوباما وصف باكستان ذات مرة بأنها «مكمن سرطان» الوضع الأفغاني. الخشية في ضوء هذا الواقع، أن يؤدّي التصعيد المتتالي إلى المزيد من التوتر، وتأزم العلاقات المأزومة أصلا بدرجة كافية، بين واشنطن وإسلام أباد. وربما إلى ما هو أخطر من ذلك، كما يحذر الخبراء من أمثال بروس رايدال، من مؤسسة بروكنغز للدراسات والأبحاث بواشنطن. فهل ينتقل الفشل في أفغانستان، إذا صحّت تقديرات السي آي ايه، إلى أزمة مفتوحة مع باكستان .
