يرد حلف شمال الأطلسي ناتو، من خلال تحسينه حماية نظام الإنترنت، على أحد أكثر التحديات الأمنية خطورة في القرن الواحد والعشرين، فالدمار الذي تلحقه هجمات الإنترنت بأمن الدول هو في ازدياد، والمفاهيم التقليدية للردع والدفاع لا تنطبق على هذه الهجمات، تماما كما لا تنطبق على الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وهشاشة بنى الطاقة. وبالتالي، يتعين على ناتو الوصول إلى تحول نموذجي رئيسي، بالتشديد على مفهومي الوقاية والمرونة، بدلا من التركيز على الردع والدفاع.
وقد شكلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة المؤشر الأول لهذا التحول، حيث تمكن إرهابيون من توجيه ضربة استراتيجية إلى أكبر قوة عسكرية في العالم، من دون أي إنذار مسبق، كذلك من دون ان يشكلوا هدفا مناسبا للانتقام العسكري الأميركي. لكن إحباط عدد كبير من الخطط الإرهابية، أخيرا، من خلال التنسيق الاستخباري يشير إلى الحاجة إلى التوظيف في النهج الوقائي، ولهذا فان تقنيات مثل أجهزة الكشف عن القنابل الانتحارية سوف تزداد أهمية، كذلك الجهود الخاصة بتعطيل الشبكات التي تدعم المجموعات الإرهابية.
وتقدم هجمات الإنترنت ضد إستونيا عام 2007 مثالا لهذا التحول في النموذج الأمني، حيث عرقلت الهجمات على الشبكة خدمات الإنترنت وقطاع المصارف. وقد أصيب ناتو على حين غرة، من قبل مجهولين، ومن دون أي عمل عسكري أو أي تدمير عضوي، الأمر الذي استبعد أي رد فعل جماعي لناتو. وفي النهاية، شكلت مرونة البنية التحتية للإنترنت في البلاد الوقاية الكفيلة بوقف إحداث المزيد من الضرر. وهناك أيضا الهجمات على البنى التحتية للطاقة، أو شبكات الطاقة على الإنترنت. ومثل هذه الهجمات لا يمكن ردعها من خلال التهديد بالرد العسكري، أولا لأنها قد لا تعني الجيش، وثانيا لان هجمات الإنترنت من الصعب ان تنسب إلى مرتكب محدد بشكل دقيق.
ويتعين تقوية البنية التحتية بما يكفي للتصدي لأي هجوم، بما في ذلك جعلها سهلة الترميم للحد من الدمار. إن انتشار أسلحة الدمار الشامل يعد قضية أخرى في هذا السياق. وعلى الرغم من أن الردع له أهمية عظمى، لتجنب اندلاع نزاع رئيسي بين الدول التي لديها تلك الأسلحة، إلان ان ردع أي دولة بشكل فعال قد لا يكون أمراً ممكناً. وتظهر التجربة أن سياسة الإقناع والعقوبات قد لا تسفر عن النتائج المرجوة، مما يجعل أي توظيف إضافي في إطار المرونة، مثل امتلاك دفاع صاروخي، أمراً مهماً باضطراد.
والوقاية والمرونة ليسا بديلين للردع والعمل العسكري، اللذين يبقيان ضروريين للتعامل مع نماذج مألوفة من التهديدات. فالتزام الدفاع الجماعي ل ناتو سوف يستمر في الاعتماد على القوة العسكرية للحلف، وفي الحفاظ على ردع نووي طالما أن هناك أسلحة نووية، لكن المفاهيم التقليدية للدفاع والردع لم تعد ردوداً وافية على معظم التهديدات الأمنية، التي من المرجح أن تضرب السكان في السنوات المقبلة.
لذا، إذا كان ناتو جاداً في الالتزام بحماية الناس، وليس الأرض فقط، فإنه يتعين عليه تطوير سياسات مشتركة حول الوقاية والمرونة.ان التزام ناتو ببناء نظام دفاع صاروخي وتطوير سياسة دفاعية مشتركة حيال الإنترنت يعد الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. وهناك خطوات أخرى تتضمن استهداف الشبكات التي تستخدمها المجموعات الإرهابية، والتوظيف في التقنيات المعنية بالكشف عن الإرهابيين ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتحسين مرونة البنى التحتية للطاقة، وتطوير أدوات استشراف افضل للتوجهات السياسية والتقنية، وإذا ما تبنى الحلف هذه الأجندة، فإنه سيبقى يمثل مصدراً أمنياً لا مثيل له، في عالم يفتقر إلى الأمان.
