تحتاج منطقة آسيا-المحيط الهادي إلى مؤسسات أمنية فاعله، وقد شكل هذا الموضوع العقبة الرئيسية أمام اجتماع قمة حوار "شانغريلا" الأمني الآسيوي، الذي عقد أخيرا في سنغافورة، والذي تابعه المراقبون على امتداد العالم بكثير من الاهتمام.

لكن الاجماع على عدم ملاءمة المؤسسات الإقليمية القائمة، لم تقابله أي رؤية واضحة حول كيفية تقويتها أو أي نوع من المؤسسات يمكنها ان تحل محلها. كان هناك مجرد إحساس بأن الهيكلية المؤسسية الأسيوية الفضفاضة قد تحتاج إلى بعض التقوية في ظل زيادة قوة الجيوش الآسيوية، والتراجع الأميركي النسبي، وبروز قضايا حساسة، مثل احتدام التنازع على بحر جنوب الصين. وقد تحدث رئيس الوزراء الماليزي محمد نجيب تون عبد الرزاق في الحوار، معربا عن خيبة امله بالهيكلية الأمنية الرئيسية للمنطقة، أي الاجتماع الإقليمي لرابطة دول جنوب شرق آسيا "أسيان"، علما أن الخطط المتعلقة بإقامة مجتمع أمني سياسي لهذه الرابطة تبدو الآن في مواجهة أفق مسدود، بسبب النزاع الدائر بين كمبوديا وتايلاند والانقسامات الإقليمية الأخرى.

ولا يوجد لقمة شرق آسيا توجه أمني، أما اجتماع وزراء الدفاع ل "أسيان" فيقرر عقده مرة كل ثلاث سنوات على الرغم من أهميته.

وقد شهد الجدل حول الأمن الآسيوي تدخلا محرجا من وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس. أولا لأنه في سبيل تمجيده فضائل التعددية الأسيوية، توجب عليه تبرير التورط البريطاني في المنطقة. وثانيا، لتمثيله لبلد يسبح عكس التيار بتقليصه ميزانية قواته المسلحة، والمخاطرة بالتخلي عن قدرته على إظهار القوة. وقد شدد فوكس على وجوب اهتمام دول العالم بالأمن الآسيوي، مطالبا باتفاقات أمنية متعددة المستويات للحصول على مجموعة من الخيارات السياسية والعسكرية. وكان ضمن أهداف فوكس إحياء منظمة "اتفاقيات الدفاع بين القوى الخمس": وهي مجموعة تأسست منذ أربعين عاما، وتتضمن أستراليا وماليزيا ونيوزيلندا وسنغافورة وبريطانيا، وكان الهدف من إنشائها ضمان الدفاع عن الدولتين الآسيويتين الجنوبيتين اللتين نالتا استقلالهما حديثا.

لقد مضى زمن طويل منذ أن تطلعت ماليزيا وسنغافورة إلى بريطانيا وأستراليا لحمايتهما، لكن هذه "الاتفاقيات" لا زالت لها منافعها: فهي تساعد على تقليص التوترات بين ماليزيا وسنغافورة، وتسمح بقيادة استرالية محايدة للأنظمة الدفاعية الجوية المدمجة لكلا البلدين، وتخدم كهيكلية للمهمات المشتركة، وتشكل وقاية ضد التطورات غير المنظورة.

وقد علق وزير الدفاع الأسترالي ستيفن سميث على كلمة فوكس ساخرا حين قال: "ان الأمر سيتطلب 40 سنة أخرى لتشكيل هذه المنظمة اليوم". وكان تشديد فوكس في خطابه على أن تقوية "الاتفاقيات" ستؤمن فرصا لمشتريات مشتركة قد أثار التساؤلات، حيث قال أحد المندوبين من جنوب آسيا: "كل ما يريده هو ان يبيعنا أسلحة"، كذلك علق أحد منظمي الحوار: "من غير الواضح ما يعنيه فوكس بالمشتريات المشتركة، ودور بريطانيا الدولي سيكون ضعيفا في المستقبل، ورمزيا في آسيا".

وقد وضح الناطق باسم وزارة الدفاع البريطانية هذا الأمر، مشيرا إلى أن اهتمام بريطانيا بالمشتريات المشتركة يتعلق بتطوير مشترك للقدرات مثل السفينة المقاتلة "فئة 26"، أكثر مما يتعلق ببيع المعدات.

وتشكل "اتفاقيات الدفاع بين الدول الخمس" موطئ قدم بريطانيا الأخير في أسيا، إما لبيع أنظمة أسلحة أو للحفاظ على بعض من النفوذ الاستراتيجي.

وبالطبع، لم يدع فوكس أنها هي الحل لمشكلات آسيا، بل وجهة نظره تقول إنه من الأفضل إنشاء المزيد من المؤسسات في آسيا. لكن على الرغم من ذلك، فإن إبراز "الاتفاقيات" في تلك المناسبة بدا مصلحة بريطانية، وليس مصلحة أسيوية.

لذا طرحت تساؤلات حول ما إذا كانت التعددية الأسيوية، بحسب فوكس، هي ما تحتاجه المنطقة فعلا. ان الكفاءة وليس الكم كانت دوما مشكلة المؤسسات الأسيوية، وربما ما تحتاجه منطقة أسيا- المحيط الهادي هي مؤسسة أو مؤسستان أمنيتان قويتان بدلا من وجود عدد كبير من المؤسسات الضعيفة.