مثّلت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الأخيرة للهند، نقلة نوعية في العلاقات بين نيودلهي وواشنطن. كما شكلت ضمناً، رسالة مبطنة إلى باكستان بأن الإدارة الأميركية قد حسمت أمرها باتجاه الخيار الهندي، في المنطقة. العلاقات بين الحليفين اللدودين الأميركي الباكستاني وصلت إلى درجة من التردي باتت تستعصي معها على الترميم، وصارت في السنوات الأخيرة محكومة بالتشكيك والارتياب المتبادلين.

فالحساسيات والخلافات التي انفجرت بخصوص الهجمات الجوية الأميركية فوق الأراضي الباكستانية بالطائرات الموجهة عن بعد، كما بخصوص العملية التي استهدفت ابن لادن، قضت إلى حدّ بعيد على ما تبقى من حبال الثقة، على الرغم من حاجة الطرفين لاستمرار علاقات التحالف بينهما. فليس من غير مدلول أن تقول الوزيرة خلال زيارتها بأن " أميركا والهند حلفاء ضد شبكات الإرهاب ". مثل هذا الكلام كان يقال عن باكستان. لكن المعادلة تغيرت الآن.

كما ليس صدفة أن تعمد واشنطن قبل أسبوع من زيارة الوزيرة، إلى تعليق بل ربما إلى شطب مساعدات عسكرية لباكستان بقيمة 800 مليون دولار. شهدت العلاقات الأميركية مع الهند، قفزات ملحوظة من التوسع والتقارب في الآونة الأخيرة. كان اتفاق التعاون النووي لأغراض الطاقة بين البلدين عام 2005، أهم محطاته، وذلك بعد 25 سنة من رفض الولايات المتحدة الدخول في مثل هذه العلاقة.

وكان ذلك أول إشارة بأن واشنطن تعمل على تعزيز الورقة الهندية. ثم جاءت إدارة أوباما لتواصل هذه السياسة وتعطيها المزيد من العمق. زيارة الرئيس للهند في نوفمبر الماضي، كانت اكبر زيارة يقوم بها رئيس أميركي لبلاد غاندي، حيث امتدت لثلاثة أيام، مع وفد ضخم من الخبراء والمساعدين يومذاك وعد أوباما بزيارة لباكستان، لم تحصل حتى الآن. وفي العام الماضي أطلق البلدان "الحوار الاستراتيجي الأميركي الهندي "، الذي شاركت الوزيرة كلينتون أخيرا، في دورته السنوية الثانية.

خلال هذه الجولة عقد الجانبان اتفاقيات عديدة متنوعة تناولت مجالات الطاقة والبيئة وتكنولوجيا الفضاء وأمن الطيران والشؤون الصحية وغيرها من المجالات، وبما يعكس مدى الرغبة في تطوير العلاقات وتسريع وتيرة التعاون وتنويعه. لكن الأهم كان البعد الاستراتيجي الذي كشفت عنه تصريحات كلينتون لهذه الشراكة، وما تتطلع واشنطن إلى تحقيقه من خلالها. فهي دعت الهند إلى الاضطلاع بدور "قيادي ينبغي أن تمارس عن طريقه نفوذها السياسي الذي يتلاءم مع تنامي عضلاتها الاقتصادية ".

اعتراف لاقى الترحيب والارتياح في نيودلهي. وزاد توقيته من أهميته. فهو يأتي في لحظة باكستانية مأزومة في الداخل ومتوترة في العلاقة مع واشنطن. لكن لهذا الاعتراف والعلاقة ثمن. " فالقيادة يترتب عليها مسئوليات " ، تقول كلينتون. ترجمة لذلك:" إن على الهند الإقدام على قرارات وخيارات صعبة "، حسب تعبيرها. التلميح إلى الوضعين الباكستاني والأفغاني واضح في كلامها. فواشنطن بحاجة إلى تعاون إقليمي لتأمين الحدّ المطلوب من الاستقرار في أفغانستان، بعد بدء الانسحاب الأولي القريب من هذه الساحة. وهو ما لم تقو إدارة أوباما على انتزاعه من إسلام أباد. إدخال الهند على الخط، ربما يجبر هذه الأخيرة على إعادة النظر في حساباتها الأفغانية.

والمعروف أن العلاقات مع باكستان وبالتحديد المساعدات العسكرية لها والبالغة ملياري دولار سنوياً كانت مؤخراً موضع حملة عنيفة ضدها، في الكونغرس كما في العديد من دوائر المؤثرة في صناعة القرار في أميركا. بل كانت هناك نقمة ومطالبات ضاغطة بقطعها، خاصة بعد ردود الفعل الباكستانية على الغارة الأميركية على مقر ابن لادن. وحتى الأصوات التي دعت باستمرار إلى عدم التفريط بالعلاقة مع إسلام أباد، باعتبارها " شريكا هاما وضروريا " في الحرب على الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة، حتى هذه تراجعت بعض الشيء.

على هذه الخلفية، يأتي كلام الوزيرة الذي يبدو أنه وضع لمسات أساسية على نسج علاقة إستراتيجية مع الهند، الأمر الذي يتوقع معه المراقبون أن يعكس مزيداً من التوتر بين واشنطن وإسلام أباد، التي لا بدّ وأن ترى بأن هذا التطور موجه ضدها بالأساس. زيارة كلينتون الهندية، رسالتها في المقام الأول، باكستانية. لعبة الاستقطاب تعود من جديد. لكن هذه المرة لا تخلو من المجازفة. العلاقة بين الهند وإسلام أباد سريعة العطب بما فيه الكفاية. محور واشنطن نيودلهي قد يزيدها اشتعالا.