تسلّطت الأضواء في الآونة الأخيرة على الطائرة من دون طيار، والموجهة عن بعد، خاصة الطراز الأميركي الشهير منها المعروف باسم " بريديتور ". الحديث عن فعاليتها في أفغانستان وباكستان ضد عناصر طالبان و" القاعدة"، دفع بسيرتها إلى واجهة المداولات حول آخر ما في الترسانة العسكرية من جديد. الاعتقاد لدى الخبراء والعسكريين، الأميركيين والأجانب بأن هذه الطائرة الآلية، الاستطلاعية منها والمسلّحة، مرشحة لتكون أحد أهم أسلحة حروب المستقبل. الصنف الثاني، صار بمثابة قاذفة مزودة بأسلحة مدمرة ودقيقة التصويب مدى طيرانها أطول من المقاتلات التقليدية.

كلفة إنتاج هذه الطائرة الموجهة عن بعد أو شرائها، تبدو متواضعة وتكاد تكون رمزية، مقارنة بغيرها من الطائرات في أي سلاح جوّي. ثمنها زهيد يتراوح بين عشرات ألوف الدولارات للصنف الأول وعشرة ملايين للطراز العالي من الصنف الثاني، مقابل عشرات الملايين لأية مقاتلة حربية أخرى.

بالإضافة إلى أن الكلفة البشرية لاستخدامها معدومة. ميزات فريدة جعلتها رقماً جديداً في أي مقاربة للمسرح الحربي. من هنا تزايد الاهتمام العسكري الدولي بها. حوالي خمسين دولة اشترت الطائرة الموجهة عن بعد المصمّمة لعمليات الاستطلاع، حسب الاحصاءات المنشورة أخيرا . هذا عدا عن البلدان المتسابقة على تصنيع النوع العسكري منها، مثل الصين الساعية إلى منافسة الولايات المتحدة، والمتفوقة حتى الآن في هذه التكنولوجيا.

 

بالونات متفجرة

العمليات العسكرية الجوية قديمة بعضها كان يتم بطرق بدائية. مارسته النمسا في حربها مع فينيسيا الإيطالية عام 1849. أرسلت إلى أجوائها، على جناح السرعة، بالونات محشوة بالمتفجرات. بعضها أدى الغرض. كان أول هجوم جوي من نوعه. ثم تطورت هذه الوسيلة وأخذت شكل التوربيدات أو القذائف الجوية خلال الحرب العالمية الأولى. ومع بداية الحرب العالمية الثانية، صارت تعرف باسم " القنبلة الطائرة "، وقد جرى تزويد الجيش الأميركي بالألوف منها. ثم ظهرت هذه المركبة الخادعة، بشكلها الأولي، في الخمسينات عندما أجرت شركة نورثروب اول تجربة لها.

لكن شركة ماكدونيل دوغلاس للطيران كانت السبّاقة في تصنيعها، مع نهاية الخمسينات. حتى ذلك التاريخ، كان يجري إطلاقها من على متن طائرة حربية عملاقة. كما كانت تستخدم فقط لأغراض التجسس والاستطلاع فوق أراضي العدو. ولم تدخل مسرح العمليات، كطائرة بدون طيار، إلاّ في الثمانينات من العقد الماضي.

زيادة الانفاق

في العقد الأخير ازداد الإنفاق على هذا السلاح. ومن المتوقع أن يصل في السنوات القريبة إلى حوالي مئة مليار دولار، وفق ما جاء في احد التقارير المتخصصة. ومعظمه للتسلح الذاتي. خاصة الطائرات المسلحة منها. فالولايات المتحدة، المنتج الأول لها، لا تبيع منها إلا لعدد قليل جداً من حلفائها. لكن مصادر البنتاغون تقول أن باب التصدير قد يفتح في المستقبل القريب، بحيث يتم تزويد بعض الدول بنماذج منها " تتوفر فيها قدرات عسكرية محدودة "، لقطع الطريق على الصين، التي تنوي تسويق إنتاجها من هذه الطائرات على نطاق واسع.

وتشير تقارير نشرت مؤخراً بأن بكين لا يجاريها بلد آخر في تسريع أبحاثها وتجاربها، في هذا الحقل. وهي الآن تملك نماذج من هذه الطائرة، الاستكشافية منها والحربية. وقد ظهرت أكثر من مرة في معارضها الجوية. وهي تعمل الآن، حسب المعلومات الأميركية، على تطوير نماذج من الصنفين تكون قادرة على الطيران بعيد المدى. في المقابل، تعمل واشنطن على تصميم نموذج خاص لحاملات طائراتها، بحيث تصبح " براديتور " عائمة ومتجولة في البحار والمحيطات. خاصة تلك القريبة من الصين.

والمعروف أن إسرائيل تحتل المرتبة الثانية في هذه الصناعة. وسبق وأن باعت بعضا من طائراتها الموجهة عن بعد للصين. وأيضاً الهند، أعلنت مؤخراً عن عزمها على إنتاج طائرة حربية من هذا النوع. والمعروف أيضا أن روسيا تملك هذا السلاح وباكستان تنوي الحصول عليه من بكين إضافة إلى إيران التي كشفت قبل فترة وجيزة عن امتلاكها لمثل هذه الطائرة. واستخدم حزب الله عددا قليلا منها في حرب عام 2006، يرى احد الخبراء أن الطائرات الموجهة عن بعد ، هي وجهة المستقبل. ليس فقط الحربي منها بل أيضاً المدني. ربما. لكن ذلك لا يحجب المخاطر. فحروب " الروبوت" خطرها مزدوج: من جهة كثيراً ما يقع المدنيون ضحاياها.

والتجربة في باكستان خير شاهد على ذلك. ومن جهة أخرى، تشجع هذه الطائرة على استسهال قرار الحرب. وهذا ما بدأ يثير مخاوف جماعات أنصار السلام وبعض الأكاديميين الذين سارعوا إلى إطلاق التحذيرات من التمادي في هذا النوع من سباق التسلح الجديد وفي تطوير عسكرة الآلة.