تأكيد بكين على التعامل مع بحر جنوب الصين كجزء من فلك نفوذها، ليس بجديد. فقد سبق وكررت أكثر من مرة بأنها تعتبر هذا المجال امتداد لمياهها الإقليمية. الجديد الآن أنها بدأت تخاطب أميركا والجوار، بلغة التحذير. بل التهديد المبطّن، لو وقفوا بطريقها في هذا الخصوص. تصعيد يعكس إصرارها على تكريس مثل هذا الامتياز الذي يمكن للكبار وحدهم فرضه، بحكم الموقع والثقل في المعادلات الإقليمية والدولية.

الرسالة إلى محيطها: " لا تلعبوا في النار "، حسب ما قال نائب وزير الخارجية الصيني. فهي ترى بأنها المرجع وصاحبة القرار ولن تتهاون فيما يتعلق بقواعد وشروط التواجد والشراكة في موارد ذلك المدى المائي الحيوي لها. الرسالة إلى واشنطن، أن لا تتدخل في ما لا يعنيها، مع " الأمل بأن لا تنسحب النار إليها "، على حدّ تعبير المسؤول نفسه. لهجة استوقفت سائر المعنيين في العاصمة الأميركية. لكن ما يستوقف أكثر كانت الردود التي صدرت عن الإدارة وحتى الكونغرس والتي تشي بأنه ليس في مقدور واشنطن وفي هذا الوقت بالذات، أن تتصدّى لهذه الهجمة الجيو - إستراتيجية الصينية بأكثر من محاولة احتوائها، عبر صيغة إقليمية تأخذ معها طابع التدويل ولو الجزئي. أو في أقله شراء الوقت لتليين شروط ومطالب بكين.

 

احتقان متراكم

الاحتقان بين دول هذا الحوض، ما انفك يتراكم منذ فترة. بلغ بدايات تفجّره قبل أسبوعين، بين الصين وفيتنام. حسب التقديرات، يرقد تحت قعر هذا البحر مخزون كبير من النفط والغاز الطبيعي. سارعت الدول المتاخمة إلى القيام بعمليات استكشاف، كانت كافية لزرع بذور النزاع حول حقوق التنقيب، في ضوء المزاعم والإدعاءات المتضاربة. وقوع الاحتكاك كان عملية تحصيل حاصل، في مثل هذا الوضع. الجانب الفيتنامي شكا من تدخل سفينة صينية لعرقلة عملية تنقيب كانت تقوم بها الشركة النفطية الفيتنامية، في تلك المنطقة. وقبل ثلاثة أشهر، تصدّت بوارج مراقبة صينية لسفينة مسح فيليبينية، حاولت القيام بمهمة مماثلة وأمرتها بالابتعاد. وكلا البلدين كغيرهما من الجوار مثل ماليزيا وتايوان وبروناي، يزعم أنه صاحب حصة في هذه الثروة.

دوافع آخرى

الصين، بالرغم من عطشها الشديد للطاقة وزعمها بأنها صاحبة السيادة، لا تتحرك فقط بدافع السيطرة على ما أمكن من هذا المخزون. الدوافع الأخرى لا تقل أهمية. بل ربما أهم. فالمساحة المائية المعنية تقع تايوان، التي تعتبرها بكين جزء من الوطن الأم، في القلب منها. ثم هي تطمح إلى تحويل تلك المياه إلى بحيرة لأسطولها الحربي المتنامي مع حاملة طائرات واحدة في البداية- تنطلق منه إلى المياه الإقليمية فالدولية لعرض قوتها البحرية. وبموازاة ذلك، هي تتصرف من باب أنها قوة عظمى في محيطها، مع ما يترتب على ذلك من امتيازات.

شأنها في ذلك شأن من هم من عيارها. ترجمة ذلك، من المنظار الصيني، أنها هي المرجع لفضّ النزاعات حول هذه الحقوق وعن طريق المحادثات الثنائية فقط. واشنطن دخلت على الخط من باب أن لها " مصلحة قومية " في تلك المياه، كما قالت الوزيرة كلينتون، التي دعت إلى " محادثات بين كافة الأطراف معاً ". ضمناً على نوع من التدويل. الأمر الذي أغاظ بكين وحملها على تعنيف ردّها. خاصة وأنه سبق لمسئولين في الإدارة ، مثل وزير الدفاع السابق روبرت غيتس والسفير الأميركي في الفيليبين أن أعلنوا وقوف أميركا إلى جانب حلفائها واستعدادها للدفاع عنهم.

الواقع أن واشنطن لديها ما يفيض عن سعة ماعونها، من الهموم الداخلية والخارجية. النزاع حول بحر جنوب الصين هي بغنى عن تأزيمه. وليس من أولوياتها في نهاية المطاف أن تعقد صفقة تسوية حوله. حتى صقور الكونغرس اكتفوا بمشروع قرار يدعو إلى " حلّ سلمي شامل للنزاع " هناك. بكين تعرف ذلك جيداً. ومن هنا توقيت تصعيدها. نقلت دبلوماسيتها الهادئة إجمالاً، من الكواليس إلى العلن. من التلميح إلى التصريح. سياسة التدرج التي اعتمدتها لتعزيز نفوذها وتوسيع دائرته، على المسرحين الإقليمي والدولي، حققت غاياتها إلى حدّ بعيد. ثم أن واشنطن بحاجة إليها في باكستان وأفغانستان طلبت منها مؤخراً استخدام أراضيها لتمرير إمدادات المؤونة والطاقة إلى قواتها في أفغانستان. أميركا تعيش زمن الانفلاش العسكري المنهك والضيق المالي الخانق. الصين تعيش الزمن الموآتي لتعزيز نفوذها على قاعدة اقتصادها الفريد بقوته.