الجدل الذي تفجّر بين البيت الأبيض والكونغرس حول الدور الأميركي في عمليات الحظر الجوي على ليبيا، فتح فصلا جديدا من الصراع المزمن بين السلطتين حول موضوع الصلاحيات الحربية الملتبس تحديد مرجعيتها. المفارقة أن في الدستور الأميركي مادة خاصة في هذا الشأن أعطت الكونغرس سلطة "إعلان الحرب ".

ثم سنّ هذا الأخير عام 1973، قانوناً لتعزيز النص الدستوري وجعله أكثر توازناً ومرونة. وقد منح ذلك القانون الرئيس الأميركي فسحة زمنية تتراوح بين 30 و 90 يوماً لاستخدام القوة العسكرية، على أن يرجع إلى الكونغرس لمنحه صلاحية الاستمرار في هذا الخيار. ومع ذلك بقيت هذه النصوص، في البلد الذي يعتز بدستوره وبسيادة القانون، أقرب إلى الحبر على ورق. عند التطبيق، حكـَمتها السياسة وحساباتها باستمرار. كل جهة تعتمد التفسير الذي يخدم مقاربتها في حينه.

كل رئيس تعمّد الالتفاف والتحايل على النصّ للاحتفاظ بهذه الصلاحية، التي يعتبرها من اختصاص السلطة التنفيذية. وكذلك بقي الكونغرس إلى حدّ بعيد، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، يغضّ النظر بصورة أو بأخرى عن تفرّد الرئيس بالصلاحية الحربية، إما لأنه متواطئ مع خيار الإدارة العسكري، بدل أن يكون الرقيب عليها. وإما لأنه تخلّى عن صلاحيته كي لا يتحمل مسؤولية العمل العسكري. وفي الحالتين، استمرت الحروب تتوالى وساحاتها تدفع الفاتورة.

استئثار بالقرار

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهت عملياً صلاحية الكونغرس الذي تولّى إعلان الحرب فقط خمس مرات فيما سبق. بعدها اكتفى الرؤساء الأميركيون بإبلاغ الكونغرس أو التشاور معه فقط بأمر العمليات. عملياً استأثروا بالقرار، بذريعة أن المسألة تنفيذية بطبيعتها وأن دخول السلطة التشريعية على الخط يربك الآلية. وبلغ هذا النهج ذروته في حرب فيتنام، الرئيس جونسون فبرك قصة هجوم الفيتكونغ على بارجتين أميركيتين في خليج تونكين، بغرض حمل الكونغرس على زيادة مخصصات الحرب لتصعيدها. وحتى لا يتكرر ذلك بسبب الانفراد الرئاسي في شؤون الحرب، صوّت الكونغرس بمجلسيه على مشروع قانون يلزم الرئيس بالعودة إليه.

استخدم الرئيس نيكسون يومئذ حق النقض "الفيتو" وأعاد القانون إلى الكونغرس، بحجة أنه يكبل أيدي الرئيس في زمن الحرب. ردّ الكونغرس بكسر الفيتو بأكثرية الثلثين وفرض القانون. لكن إصراره انتهى هنا. كافة الرؤساء الذين توالوا بعد ذلك التاريخ استخدموا القوة العسكرية، مع الاكتفاء بتبليغ الكونغرس أو أحيانا الحصول على ضوء أخضر منه وليس أكثر.الكونغرس لم يستعمل صلاحيته في البوسنة مثلاً، أو كوسوفو، ولا طبعاً في الحرب على العراق.

 

مساندة محدودة

والآن يتكرر الأمر في أزمة ليبيا. أوباما كأسلافه، لم يتقيد بنصّ قانون 1973. حصل على دعم الكونغرس، وبعد ستين يوماً انتهت في 20 مايو الماضي، تجاهل طلب موافقته. اكتفى بشرح المهمة. زعم أن المشاركة الأميركية في الحملة الجوية، لا تستوجب ذلك لأنها تقتصر على المساندة المحدودة من غير قوات ميدانية. ردّ مجلس النواب بتصويت على قرار بعدم منح الرئيس صلاحية مواصلة المشاركة. كما قامت مجموعة من النواب برفع دعوى قضائية على اوباما بتهمة أنه خالف قانون 73. الخطوتان رمزيتان. والحوافز سياسية محضة.

فالذين يزعمون الآن الحرص على هذا القانون، هم أنفسهم سبق وطالبوا قبل سنوات بإسقاطه. وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب جون بونيار. القصد، تسجيل هدف في مرمى أوباما وليس وقف العمليات في ليبيا. وإلاّ لكان جرى التصويت على قرار بقطع تمويلها. وقد سبق وحصل أكثر من مرة، أن لجا الكونغرس إلى مثل هذه الخطوة لوقف الدعم عن عمليات لم يتوافق مع الرئيس بخصوصها. لكن ولا مرة أوقف تمويل الحروب الكثيرة التي شنّها أي رئيس.

الغاية من خصّ السلطة التشريعية بهذا الدور، تأمين التوازن ولجم أي جموح عسكري لدى رئيس السلطة التنفيذية، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة في آن معاً. تدبير يشكل صمّام أمان. لكن هذا في النص وليس على الأرض. في التطبيق يختلف الأمر. ليس لأن المشكلة في الآلية، على التباسها. لو كانت مسألة غموض في الصلاحية، لكان وجب التصحيح والتوضيح بعد فضيحة حرب العراق. لكنها مسألة تسليم، لدى المعنيين، بأن فائض القوة الأميركية المتفوقة لا بدّ وأن يكون له تعبيراته الميدانية بين الحين والآخر. وما يحصل أحيانا من جدل وخلاف كما هو حاصل حالياً بشأن العمليات في ليبيا، ليس أكثر من فقاعة اقتضتها حسابات الانتخابات .. وبعض النكايات.