في أكثر من خطاب، خلال جولته الخارجية الوداعية، تحدّث وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن صعوبات وتحديات ميدانية ومالية تواجه وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون»، بدءا من أفغانستان والانسحابات إلى تحديث الترسانة العسكرية وتكلفتها الفلكية. وإذا كان كلامه هذا استوقف المراقبين لما حواه من تحذيرات وأرقام وتوقعات، فإن ما جاء في آخر كلمة ألقاها في بروكسل يوم 9 الجاري، حول وضع حلف شمال الاطلسي «ناتو »، قد فتح العيون على حقيقة صادمة للحرس القديم في واشنطن، بقدر ما هي كاشفة وصارخة للذين التبس عليهم تعريف هذا الحلف بعد نهاية الحرب الباردة. فلأول مرة يتحدث مسؤول أميركي من هذا الموقع المعني مباشرة بالموضوع، أو حتى من أي موقع آخر، بصراحة تشي بان واشنطن تكاد تعلن دخول هذا التحالف الإستراتيجي، الذي فرضته معادلة ما بعد الحرب الثانية، إلى غرفة العناية الفائقة، إن لم يكن إلى دائرة بدء العد العكسي لتفككه ونهايته. وعندما يقول الوزير إن «ناتو» بلغ مرحلة «الشيخوخة»، فإن ذلك لا يقل عن نعي ولو مسبق لمخلوق بات محكوماً، حسب قانون الطبيعة، بالتلاشي.

تحذير شديد اللهجة

لم يأت الوزير بجديد. فكل ما فعله «انه أفصح بشكل علني ومباشر عما كان معروفاً ومتداولاً لدى الجهات المعنية في واشنطن منذ أمد طويل»، كما قال صموئيل والّز، أحد كبار الباحثين في مؤسسة وودرو ويلسون للدراسات والأبحاث بواشنطن لـ «البيان». لكن مجرد صدور كلام من هذا النوع عن صاحب هذا المنصب وفي مخاطبة مباشرة، يعني أن واشنطن «توجّه تحذيراً شديد اللهجة إلى حلفائها»، كما قال،. بل ربما إنذاراً بالتخلي عن الحلف، إذا ما بقيت علاقات أطرافه على ما هي عليه.

حديث الوزير كان مفاتحة بواقع يتعذر استمراره. بل على الأرجح، فات وقت استدراكه. فالحلف الذي دخل عقده الستيني، «يواجه مستقبلاً شاحباً، إن لم يكن كئيباً»، على حدّ تعبيره. أميركا ترى أن "ناتو" ما عاد يحمل من التحالف إلاّ الاسم. الأعباء، المالية والعسكرية، عليها، والمردود لكامل أعضائه. غير أن الاحتقان يعود إلى ما قبل العجز المالي. وكان قد بدا يتراكم منذ سقوط جدار برلين. وأثناء الحرب على العراق، وأخذ شحنات إضافية من التوتر. « بعد احتلال العراق مكث جنود الحلفاء في قواعدهم وبقيت قواتنا تخوض المواجهات. ثم انسحبوا قبلنا »، بحسب أقوال والّز. ثم ارتفع المنسوب في حرب أفغانستان، حين تلكأ عدد غير قليل من الحلفاء عن المشاركة الفعالة. وأخيراً جاءت العمليات ضدّ ليبيا، «التي قام بها أقوى تحالف عرفه التاريخ ضدّ بلد فقير التسلّح، ومع ذلك سرعان ما بدأ الحلفاء الأوروبيون يشكون من نفاذ الذخيرة لديهم، مطالبين أميركا بالمزيد من الدعم لمواصلة العمليات»، على ما قال غيتس. تراكمات متواصلة تسبب بها تقليص الأوروبيين لموازناتهم الدفاعية وتردّدهم باتخاذ قرارهم السياسي، حسب ما تقول واشنطن.

 

ضبابية الهوية

صحيح أن الضيق المالي وضغط الموازنة والعجز، ساهم في حمل واشنطن على التعبير عن امتعاضها وإحباطها من العلاقات مع دول ناتو. لكن المسألة أبعد من ذلك. لو كان في الساحة خصم بوزن الاتحاد السوفييتي السابق وحصل مثل هذا التقصير، لتعاملت معه واشنطن بشكل مختلف. فعلى الأقل، لما كانت قد خاطبت حلفائها بهذه اللغة القريبة من إعلان موت «ناتو ». زمن الحرب الباردة كان الحلف أقوى ب 16 دولة فقط. اليوم صار28 دولة وحالته أضعف. بل مهدّدة بالانفراط. السبب الأساسي في تراخي عقد «ناتو» مرتبط بضبابية الهوية. وقد تبدّى ذلك بوضوح في قمة الحلف في لشبونة، في نوفمبر الماضي، حين تعذّر على الحلفاء تحديد دوره في هذه المرحلة. مهمة جرى تأخيرها وترحيلها منذ عام 2000. لكنها بقيت معلّقة. لم يجمعوا حول غاية أو مبرر لمنظومتهم العسكرية. فمع غياب المسوّغ الأصلي ارتبكت البوصلة. قضايا وأزمات وحروب الحاضر، يراها كل واحد من زاويته ووفق أولوياته.

«ناتو » أمام مأزق مزدوج: صيغته الأولى صارت باهتة بلا لون. وصياغته من جديد تفتقر إلى رابط جماعي غير متوفر. الوزير غيتس حذّر من دون مواربة بان «الجيل الجديد من الأميركيين قد لا يرى نفعاً من الاستثمار في ناتو«، وهذا يعني أن هذا الأخير في طريقه ليصبح شيئاً من الماضي.