من المتوقع أن يحسم الرئيس أوباما، قبل نهاية الشهر الجاري، بشأن وعده الذي قطعه، لبدء الانسحاب من أفغانستان الشهر المقبل. فهو التزم بالخفض، عندما وافق على التصعيد بإضافة ثلاثين ألف جندي إلى القوات، قبل سنة ونصف. عدم الوفاء به يعرّضه للمساءلة خلال حملته الانتخابية القريبة.

 

فضلاً عن ذلك، صارت هذه الحرب الأطول من بين حروب أميركا. اوائل الخريف المقبل تنهي عامها العاشر. نفقاتها تقترب من نصف تريليون دولار. وهي مرشحة لتصل إلى ثلاثة أرباعه. تكاد تضاهي حرب العراق. ومع كل ذلك، ما زال مصيرها في جيب الغد.

التقديرات العسكرية بشأنها، ملتبسة. مكاسبها الميدانية، مهدّدة بالشطب باعتراف البنتاغون. على هذه الخلفية، لوحظ في الآونة الأخيرة تسليط المعنيين الأميركيين الأضواء على أمرين: 1 - كلفة هذه الحرب الباهظة 2- الاتصالات التفاوضية التي تجريها إدارة أوباما مع طالبان وترجح كفة التفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية من خلالها. تركيز بدا بمثابة مقدمات لقرار بالانسحاب الجزئي، يكون بداية العدّ العكسي للخروج من ورطة هذه الحرب، إذا ما سارت الأمور وفق التوجه السيا سي والوضع الميداني الراهنين.

 

تحمل المسؤولية

خلال زيارته الوداعية قبل أيام لكابول، شدّد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس على ضرورة «أن يبدي الأفغان، حكومة وقوات مسلحة، استعدادهم لتحمّل المزيد من المسؤولية في الحكم والدفاع عن أرضهم... ذلك أن التزام المجتمع الدولي في هذا المجال ليس بدون حدود».

وذهب، لأول مرة، إلى حدّ القول بأن «العمليات العسكرية الجارية قد تحقق من النجاح ما يكفل بدفع الوضع نحو مصالحة مع المتمردين أواخر العام الحالي». كلام بدا يلقى صداه في واشنطن. ولو أن هناك مرجعيات، مثل الخبير أنطوني كوردسمان من «مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية» بواشنطن، ترسم حول هذا التحسن علامات استفهام، أو تضعه في خانة المكاسب التكتيكية فقط.

مدرستان

بكل حال بقي الجدل على حدّته بين مدرسة التعجيل بفتح باب الانسحاب وبين مدرسة الاستمرار في التصعيد ولغاية إجبار طالبان على التخلي عن العنف ثم الجلوس على الطاولة.

الأولى، تعمل مصادر الإدارة على الترويج لها انطلاقاً من عدة معطيات تضافرت تباعاً في المدة الأخيرة. فبالإضافة إلى الإنفراجات الأمنية، يشير هذا الفريق إلى تغييب بن لادن عن المشهد وما تركه من «تضعضع» والبعض يقول «إحباط»، في صفوف طالبان التي خسرت العديد من قيادتها ومقاتليها في الجولات الأخيرة.

ويقال أن الحركة أعطت إشارات باتجاه تغليبها للتسوية السياسية، خلال اللقاءات التي عقدها الجانب الأميركي مع ممثل لطالبان مؤخراً، في ألمانيا وقطر. ويعزز هذا التوجه أن إسلام أباد تعتزم، حسب تقارير منسوبة إلى مصادر باكستانية، القيام بعمليات عسكرية في شمال وزيريستان ضد معاقل المتطرفين. خطوة طالما ألحّت عليها واشنطن، باعتبار أنه ليس من الميسور تطويع طالبان الأفغانية من غير تعاون باكستاني.

ولا يقل أهمية عن كل، أن نفقات الحرب التي جرى التصويب عليها في الأسابيع الأخيرة، باتت مرهقة. موازنتها للعام القادم 107 مليار. الكلفة التقديرية لكل جندي، مليون دولار سنوياً. أرقام تفرض، في ضوء العجز المعروف، إعادة النظر في استراتيجية الحرب. نائب الرئيس بايدن يقود هذا التوجه.

المدرسة الثانية، يمثلها العسكريون ومعهم غالبية الجمهوريين في الكونغرس وفريق غير قليل من المحللين الاستراتيجيين. قوام هذا الموقف أن المضي في قرار الانسحاب ولو الرمزي آخر المعلومات أنه سيكون أكثر من ذلك ، يبعث برسالة تراخي من شأنها حمل طالبان على المزيد من التشدّد. فضلاً عن أنه يهدّد ما أنجزته العمليات العسكرية.

وعلى هذا الأساس أفشل مجلس النواب في الكونغرس، مشروع قرار غير ملزم يدعو إلى تسريع الانسحاب وتحديد سقف زمني له. وثمة دفاع آخر مفاده أن كلفة سنة، 107 مليار، «لن تقدم أو تؤخر في حجم مديونية بلغت 14 تريليون» على ما يقول الباحث الاستراتيجي مايكل أونالن من مؤسسة بروكنغز للدراسات، ولا تستحق المجازفة بالتالي. لكن لا يبدو أن الرياح تنفخ في هذه الوجهة.

القرار للرئيس أوباما. الظروف ملائمة له ليظهر، عشية الانتخابات، بأنه بقي على وعده. ثم أن هذه الحرب باتت محكومة أكثر فأكثر بالحلّ السياسي الجاري العمل الآن على إنضاج طبخته، التي يختلط فها الاسترتيجي بالتكتيكي والسياسي بالعسكري.