قبيل مغادرته منصبه في أواخر يونيو الجاري كان من اللافت أن يكثر وزير الدفاع روبرت غيتس، من الحديث عن موازنة البنتاغون وصعوباتها. ثلاث لقاءات ومحاضرات، في غضون أسبوع. وقد عكس كلامه وجود «معضلة» في هذا الصدد من جهة خفضها المحتوم بفعل الضائقة المالية، من عجز وديون، والباقية على ما يبدو لسنوات غير قليلة. ومن جهة أخرى، تفرض عقدة استمرار التفوق العسكري، المستبدة بالعقل السياسي الأميركي، عدم خدش هذه الموازنة، لو أمكن ذلك. بيد أن ذلك متعذر. الجدل حول المخارج، داخل الإدارة من ناحية وبينها وبين الكونغرس من ناحية أخرى، يدور حول خيارات وحجم الخفض. ثمة تباين، لكن ليس بشأن الأولويات التي تتقاطع عند محورين: أن مخصصات البنتاغون هي آخر وأقل ما يمكن أن يطاله مقص الخفض في الموازنة العامة. وثانياً أن تقليصها الضئيل بكل حال، والذي لا يتناسب مع الوضع المالي المتأزم ولا مع الموازين والمعادلات العسكرية والإستراتيجية الدولية، موجّه أساساً نحو جميع جوانب النفقات باستثناء تحديث الأسلحة، الفلكية بكلفتها وشبه الخيالية بقدراتها العسكرية.
رؤية دفاعية
في محاضرته التي ألقاها في مؤسسة «أميركان انتربرايز» للدراسات في واشنطن أخيرا، طرح الوزير المغادر رؤيته الدفاعية طويلة المدى، التي وضع أسسها خلال أربع سنوات ونصف متواصلة من وجوده على رأس البنتاغون. ركيزتها الأساسية، كما شرح أمام حشد من رموز المحافظين الجدد الذين تزدحم بهم هذه المؤسسة، «جيش أصغر بقدرات فائقة الامتياز». عماد هذه القوة، التي قال بأنها تناسب: «حروب الزمن الراهن ضدّ حركات التمرد»، سلاحا الجو والصواريخ. أسلحة أحاطها بهالة من «التقديس». وبالذات أسطول من مقاتلات من طراز أف- 35 متعددة المهام والتجهيزات. وهي آخر ما طلع به المجمع العسكري في عالم الطيران الحربي، والتي تصل كلفة الواحد منها إلى 113 مليون دولار. صفقة تتعدى كلفتها تريليون من الدولارات على مدى عقدين وأكثر! واللافت أيضاً، العدد: 2500 طائرة منها. إلى جانبه، تتضمن خطته تجديد طائرات التزويد بالوقود وجيلاً آخر من صواريخ الغواصات. وكانت تقارير سابقة قد ذكرت، نقلاً عن خبراء عسكريين، أن البنتاغون يعمل على مشروع سلاح صاروخي يمكنه الوصول إلى أي بقعة فوق الكرة الأرضية بظرف ساعة واحدة.
إنفاق عسكري
موازنة الدفاع للعام المالي المقبل، أول أكتوبر، تبلغ 553 مليارا. إنفاق أميركا العسكري يشكل نصف نفقات العالم على الدفاع. في حين لا يبلغ إنتاجها الاقتصادي سوى ربع الإنتاج العالمي. خبراء الاقتصاد يحذرون من مخاطر هذا الخلل في المعادلة. مع ذلك ينبّه غيتس من عواقب التخلي عن أنظمة التسليح المقترحة بالرغم من كلفتها الهائلة. ناهيك عن الكونغرس، خاصة الجمهوريين الذين يعترضون على المسّ بموازنة البنتاغون ولو بحدود رمزية تقريباً، كالتي يقترحها الرئيس اوباما والبالغة 400 مليار على مدى 12 سنة.
أيام ريغان بلغ الإنفاق العسكري الشامل، الذي أريد به جرّ الاتحاد السوفييتي آنذاك إلى سباق تسلّح يطيح به، أكثر بقليل من 2 تريليون دولار. اليوم يلزم نصف هذا المبلغ لتحديث سلاح الجو وحده. فالعقيدة العسكرية الأميركية تشهد إعادة صياغة. كان الحديث عنها قد بدأ مع نهاية الحرب الباردة. تجربة ورطتي العراق وأفغانستان سرّعت في العملية، التي تجري الآن تحت عنوان إعادة الهيكلة والتحديث وبما يكفل خفض التعويل إلى أبعد الحدود، على العمليات العسكرية التقليدية لصالح الذراع العسكرية الضاربة، جواً أو أرضاً ، من بعيد.
العمليات الصاروخية ثم الجوية المحدودة التي قامت بها القوات الأميركية، في بداية الحظر الجوي على ليبيا، ربما كانت النموذج المصغّر. فهذه وظيفة الأسلحة النوعية التي أشار إليها وأصرّ عليها غيتس. توجّه يشق طريقه في واشنطن، يعطي لهيمنة القوة إطاراً مختلفاً. أو على الأقل، معدّلاً. ربما كان هناك اختلاف حول تفاصيل الإنفاق العسكري. لكن ليس على المضي به قدما. حتى ولو على حساب برامج وأولويات هامة أخرى، من ضمنها القطاع التربوي المرشح لخسارة أكثر من مئتي ألف وظيفة جلّهم من المعلمين العام المقبل، بسبب ضغوطات الموازنات الفيدرالية والمحلية. أو حتى لو كان عن طريق مواصلة الاقتراض وزيادة تضخم المديونية، التي قد تهدّد أميركا بالعجز عن تسديد ديونها فيما لو استمر التعثر الاقتصادي والمالي الراهن، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر على الصعيد العالمي.
