كالعادة، كان المؤتمر السنوي الذي عقده اللوبي الصهيوني في واشنطن أخيرا، تظاهرة إعلامية سياسية كبيرة، لعرض عضلاته من جهة، كمؤسسة نافذة ومؤثرة في صناعة القرار الأميركي المتعلق بالشرق الأوسط. ومن جهة ثانية، لتعزيز دوره ورفده بالمزيد من عناصر القوة، وبما يمكنه من خدمة مصالح إسرائيل وترسيخ علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة، كحليف استراتيجي لها. وكالعادة، حضره وشارك في أعماله حشد كبير من الأعضاء والأنصار ومن كبار المسؤولين الأميركيين، يتقدمهم الرئيس الأميركي باراك أوباما وجيش من أعضاء الكونغرس.

لكن هذه المرة كانت الأجواء مختلفة، فقد سادتها غيوم غير مألوفة من والتوجس والحذر. وهي ليست طارئة، بقدر ما أنها جاءت حصيلة تعارضات واستحقاقات وصفعات، توالت وتراكمت منذ فترة بين تل أبيب وواشنطن، وكانت ذروتها في لقاء نتانياهو أوباما قبل يومين من افتتاح المؤتمر، والذي ساده توتر غير مسبوق.

وكان لا بدّ من أن تنعكس هذه الحصيلة على أجواء اللوبي، الذي ساهم انتفاخ حضوره ودوره في واشنطن في تشجيع رئيس حكومة إسرائيل على ركوب رأسه ومخاطبة الرئيس الأميركي من فوق، بلغة «الأستذة» وتلقين الدروس. الأمر الذي أثار قلق دوائر يهودية أميركية بقدر ما أثار استياء وانزعاج أوساط عديدة في واشنطن، بالتلميح أو بالتصريح. كما كان له صدى سلبي لدى الرأي العام، الذي سمع الكثير من التبرّم من «تطاول» نتانياهو. وهذا تطور تخشى الفعاليات اليهودية، من أن يفتح كوّة في جدار التأييد الصلب الذي تنعم به إسرائيل في الساحة والذي يشكل أساس نفوذها السياسي فيها.

منذ تأسيسه، عام 1953 تمكّن اللوبي الإسرائيلي، من التحوّل من تجمّع صغير باسم «اللجنة الصهيونية الأميركية»، إلى واحدة من أكبر مؤسسات الضغط المعروفة في واشنطن، إن لم يكن أكبرها. كما تمكّن من توسيع شبكته لتضم حوالي مئة ألف عضو، موزعين على الولايات الخمسين، وعاملين في ما يسمى بـ «لجان العمل السياسي» الناشطة في انتخابات الكونغرس والرئاسة. ومع تنامي حضوره وقوته وبالتعاون والتنسيق مع المنظمات اليهودية الفاعلة فوق الساحة الأميركية، تحققت لإسرائيل مكاسب وامتيازات هائلة. كان له الدور الرئيسي في تحويل الكونغرس إلى عرين لنفوذها في واشنطن.

كما في التمهيد للعديد من الاتفاقيات الاستراتيجية أول اتفاقية في بداية الثمانينات والترتيبات العسكرية والسياسية بين إسرائيل وأميركا أيام ريغان ورابين . وفي العقد الأخير صارت المناورات العسكرية المشتركة شبه دورية، خاصة التدريب على القتال في الصحراء، إلى جانب تخزين المعدات والذخائر الأميركية ونشر محطات الرادار المبكر في إسرائيل وغيرها من أشكال التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي. وكان الكونغرس قد صوّت في أواخر الثمانينات، بضغط من اللوبي، على قرار يعتبر إسرائيل الحليف الأساسي، الوحيد من خارج «ناتو».

طبعاً ما كان لكل هذا السخاء أن يتحقق بفعل اللوبي وشطارته، لولا الوظيفة التي تشغلها إسرائيل في المعادلة الأميركية للمنطقة. لكن هذه المؤسسة التي تتقدم لديها مصالح الدولة العبرية على أي شيء آخر، عرفت كيف توظف هذه العلاقة، لتعمل من نفسها ومن موكلها ليس فقط الولد المدلل، بل أيضاً الذي يخشى جانبه. تؤازرها في ذلك قوى مختلفة في الإعلام و«وول ستريت» وهوليوود وغيرها.

تضخم نفوذها إلى الحدّ الذي جعل منها قوة تتمتع باستثناءات فريدة. اللوبي الإسرائيلي هو الجهة الوحيدة التي تمثل مصالح بلد أجنبي في أميركا والمعفاة من التسجيل لدى وزارة العدل الأميركية بهذه الصفة. تسجيلها يفرض عليها أخذ الموافقة والكشف عن عملياتها المالية. هو اللوبي الوحيد في واشنطن الذي شارك فيه الرئيس الأميركي مراراً، بخطاب لتجديد التزام إدارته بأمن وتفوق وحماية إسرائيل.

اللوبي الإسرائيلي كبر وصار أكثر من مؤسسة. صار بإمكانه الإملاء ولو بحدود. الأرض الأميركية خصبة لمثل هذا الجنوح. على هذه الخلفية تمادى نتانياهو وتعالى في تعاطيه مع أوباما. أثار مخاوف قوى يهودية من ردة الفعل على مستوى المواطن الأميركي. تجلّى ذلك في ردود ومواقف يهودية، وصلت في اعتراضها على تصرف نتانياهو إلى حدّ توبيخه. لا شك أن الخلاف حاصل ضمن بيت غير مسموح فيه الطلاق. ولا حتى الانفصال. لكن هذا من فوق. الخوف من أن تتخلخل العلاقة من الأسفل. الأسبوع الماضي حمل إشارات من هذا النوع.