مرة أخرى يتبيّن أن العلاقات الأميركية الصينية صارت محكومة بقانون الصراع والتعايش في آن واحد. وحتى أمد غير قريب، لا توجد قطيعة مديدة تصل إلى أزمة ولا شراكة سلسة تكسح الألغام المزروعة في حقلها. كلا فالجانبان باتا يدركان أن لا خروج لهما من هذه المعادلة، المتأرجحة منذ سنوات، بين هبّة باردة وهبّة ساخنة. ما أن يصعد خطابها حتى يعود إلى الهبوط، مع كل الارتدادات الاقتصادية المالية والسياسية التي ترافق هذا المنحى، على المستويات الآسيوية والشرق أوسطية والدولية.

خلاصة أكّدتها اجتماعات (اللقاء الاستراتيجي والاقتصادي السنوي) بين واشنطن وبكين والذي أنهى أعماله قبل أيام في العاصمة الأميركية. فهو على تواضع نتائجه الثنائية أعطى إشارات بتغليب التعاون بينهما أو على الأقل الحوار في القضايا التي تهم البلدين واستطراداً الساحات التي تهم الجانبين ولهما تأثير فيها، وذلك بحكم الوزن الأكبر للدولتين. وبالتحديد على صعيد الأزمة المالية وتداعياتها التي مازالت بقاياها تجرجر منذ 2008، كما على صعيد الملفات المتفجرة أو المرشحة للتفجير، من كوريا الشمالية إلى أفغانستان وباكستان وإيران وانتهاء ببقية الأوضاع المعروفة في منطقتنا.

بدأ اعتماد هذا اللقاء الدوري السنوي عام 2006، كمنبر لمناقشة القضايا والمشكلات الاقتصادية بين البلدين. وهي كثيرة ومعقدة ومازالت إلى حدّ بعيد معلّقة. على رأسها موضوع العملة الصينية المنخفضة قيمتها عمداً وملف التبادل التجاري وبالذات الفائض الفلكي الذي تحققه الصين من صادراتها إلى السوق الأميركية. وهما قضيتان تسببتا في توتير العلاقات وإلى حدّ التلويح بحرب تجارية بين العملاقين. أواخر الصيف الماضي، سارع الكونغرس السابق في أواخر أيام دورته العادية إلى التهديد بهذه الورقة.

فقد صوّت بشبه إجماع على تخويل السلطات الأميركية المعنية فرض تعرفة جمركية على جميع البضائع الصينية. وهي خطوة كانت بمثابة إنذار بإعلان حرب السلع، التي سارعت مراجع اقتصادية يومئذ إلى التحذير من عواقبها «التخريبية على الاقتصاد العالمي». وأسهم التأزم بين الكوريتين، في مارس ونوفمبر 2010 .

ورفض الصين إدانة بيونغ يانغ، في زيادة حدة الخلافات عموماً. كما أسهمت في ذلك موافقة إدارة أوباما على تزويد تايوان بصفقة أسلحة تبلغ قيمتها حوالي ستة مليارات دولار. الخوف من نشوب أزمة تجارية، مع مبادرة الصين إلى رفع قيمة اليوان في الأشهر الماضية بمعدل 10%، محسوبة على أساس قيمة التضخم، لعب دوره في لجم حدّة الخطاب والاستدارة نحو الحوار من جديد.

على هذه الخلفية الاقتصادية - السياسية انعقد اللقاء الأسبوع الماضي. ومع أنه لم يتمخض عن أية حلول أو اختراقات نوعية ــ ما عدا تقديمات صينية طفيفة من نوع فتح إضافي ضئيل لأسواقها أمام المصالح الأجنبية إلا أنه كان محطة فارقة في إدارة العلاقات. فلأول مرة يشارك في أعماله عسكريون صينيون وأميركيون.

وقد شملت المحادثات «قضايا استراتيجية كموضوع الانتشار النووي فضلاً عن عدد من النزاعات الساخنة في الشرق الأوسط». وعقب انتهاء أعماله، وصل إلى واشنطن رئيس الأركان الصيني على رأس وفد من جنرالات عدة، للقيام بجولة أميركية لمدة أسبوع، تشمل عدداً من المرافق والقواعد العسكرية والمدن الأميركية. تطور سعى إليه الطرفان كل لحساباته. احد تعبيراته المرتقبة، إحياء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة. الصين تبني قوة عسكرية متطورة.

ترصد لها موازنة متزايدة. المعلن عنها 80 مليار دولار سنوياً. حسب تقديرات أميركية تتجاوز المئة مليار. صحيح أنها مازالت أقل من سدس موازنة البنتاغون. لكنها صاعدة كماً ونوعاً. وبكين لا تريد التشويش عليها. إدارة أوباما من جهتها تنشد تعاون بكين في أكثر من ملف. بالتحديد كوريا وأفغانستان التي تتبلور في واشنطن الآن فكرة مؤتمر إقليمي بحثاً عن مخرج لحربها وتكون الصين من المشاركين فيه.

يبقى الاقتصاد المدخل الرئيس للعلاقات بين العملاقين. الصين تراكم تلالاً من السيولة. فائضها في 2010 بلغ 448 مليار دولار، من أصلها 273 مليار جاءت من تجارتها مع أميركا. فلا غنى لها عن هذه كسوق وكساحة استثمار. كما لا غنى لواشنطن عن السوق الصينية التي تتزايد أهميتها بالنسبة لصناعات أميركية خاصة السيارات والتكنولوجيا. لكن هذه المصالح على ضخامتها تبقى رهينة التنافر السياسي والارتياب المزمن بينهما، والمتوقع أن ترتفع وتيرته مع اقتراب 2012 باعتباره عام تغيير أو تجديد قيادتي البلدين، كما يتوقع الخبير أسوار براساد من مؤسسة بروكنغز للدراسات بواشنطن.