التقرير الذي صدر مطلع الشهر الجاري عن «دائرة السكان» في الأمم المتحدة، يدق جرس إنذار جديد وخطير، ويطلق ما يشبه الصرخة لاستدراك أمر يهدّد بالخروج عن السيطرة. أو على الأقل للتحوط له. أرقام التقرير تشير إلى أن الكرة الأرضية مقبلة على ما يشبه الانفجار السكاني، قريباً. وتيرة التكاثر تتسارع أكثر من أي وقت مضى. ووعاء الكوكب المحدود بموارده، يدنو من حدود قدرته على الاستيعاب. وما يزيد الطين بلّة أن الزيادة المتوقعة في حجم الكتلة البشرية عشر مليارات نسمة مع منتصف القرن الحالي يواكبها تفاقم متسارع هو الآخر في تردّي الأوضاع المناخية ، واستطراداً في هبوط كميات المحاصيل الزراعية. ولطالما كان التوازن في هذه المعادلة الثلاثة حجر الأساس في تأمين الحدّ المطلوب، أو الأدنى، من الأمن الغذائي العالمي المقبول، على الرغم من تشوهاته واستثناءاته في أكثر من مكان وزمان. لكن الخطوط البيانية لهذا المثلث، باتت تأخذ المنحى العكسي، حسب ما تؤشر إليه دراسات الباحثين والراصدين، الذين ذهب بعضهم إلى حدّ التحذير من وقوع ما سمّاه بــ«التقاتل على المحاصيل»، في عالم «لم يعد كوكبه كما كان».

 

ارتفاع سقف التوقعات

أكثر ما يلفت النظر في هذه الدراسة التي أعدها خبراء الأمم المتحدة، المشهود لهم بصحة المنهج المعتمد في إحصاءاتهم، هو ارتفاع نسبة المواليد ليس فقط في البلدان الفقيرة فحسب، بل في هذه المرة أيضا في العديد من الدول الغنية ولو بنسبة أقل، الأمر الذي أدى إلى رفع سقف التوقعات حول زيادة السكان من 9 إلى 10 مليارات نسمة بحلول العام 2050. 3 مليارات في غضون أقل من أربع عقود.

وحسب هذه التقديرات سيبلغ العدد 7 مليارات مع بداية الخريف المقبل، وهي قفزة غير مسبوقة خاصة في القارات المتعثرة أفريقيا من مليار إلى أكثر من 3,5 مليار والبلدان التي تعاني من الشح في الموارد المائية والزراعية، مثل اليمن الذي قد يصل عدد سكانها إلى 100 مليون بنهاية القرن. أرقام تبدو وكأنها تقول بأن «النمو السكاني لن تقف في طريقه حتى كوارث الحروب والأوبئة والمشكلات الطبيعية الناتجة عن التغيرات المناخية»، حسب ما يراه محللون. وقد لا يهدّد مثل هذا النمو بمجاعات حتمية واسعة، حيث يبقى من «المرجح توفير الغذاء ل 10 مليارات نسمة» بحسب الباحث الخبير السكاني جون بوغارتس.

والتطور الذي تشهده التكنولوجيا والبحوث العلمية الزراعية، وما أدت إليه من تحقيق واعد في غزارة الإنتاج، قد يقوى على سدّ الحاجات الغذائية المتزايدة، لكن بحدود وإلى فترة زمنية معينة. كما أن الارتفاع الحاصل في حرارة الأرض دخل على الخط وبدأ يظهر تأثيره السلبي على المحاصيل وتقليص مقاديرها.

«ارتفاع درجة الحرارة يتسبب بخسائر زراعية تقدر بعشرات المليارات سنوياً»، كما جاء في آخر دراسة وضعها البروفسور دافيد لوبيل من جامعة ستانفورد الأميركية.

ووفق أبحاثه، التي استحوذت على اهتمام المعنيين بشؤون البيئة والزراعة، تراجعت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، غلال القمح حوالي 4% والذرة أكثر من 5% عما كان متوقعا، وذلك بسبب سخونة الطقس. فما حققته التقنيات الزراعية باتجاه مضاعفة المردود، تكفلت الحرارة، كما يقول لوبيل، بتقليصه قبل الحصاد، إما بسبب الجفاف وإما بسبب الفيضانات، كما حصل في روسيا وأستراليا وباكستان .

ومثل هذه التغييرات المناخية لا تتوقف تحذيرات العلماء بخصوصها.

في كتابه الأخير، «الأرض»، يقول المؤلف بيل ماكيبن ما خلاصته بأن الكوكب الذي عرفناه بات شيئاً من الماضي، وأن انتظام فصول السنة صار في خبر كان. وهكذا فإن المحاصيل الزراعية المنتظمة بغزارتها، أصبحت واقعا لا يستبعد معه احتمال وصول الأمور في النهاية إلى حدّ «الاقتتال» حولها لعدم كفاية المتوفر منها !

تحديات خطيرة

مشكلة الندرة في الموارد، ليست جديدة، فتزايد عدد السكان والحاجات وضعها على بساط البحث. ومنذ فترة والكلام يتردد عن الأمن المائي وحروبه المحتملة، ثم الأمن الغذائي وضروراته العاجلة، على الأقل في مناطق معينة. ثم دخلت السخونة وانضمت الآن إلى هذه القافلة من الفورة السكانية الزاحفة. خلطة خطيرة من التحديات الكونية التي تهدّد الحياة والحضارة الإنسانية في الصميم ، وإلى مستوى دفع المزيد من العلماء والباحثين والخبراء لإطلاق توقعات مخيفة، من نوع التقاتل على الرغيف. والمخيف أكثر أنه حتى مثل هذا الإنذار لا يلقى سوى آذان صمّاء.