مع أن التعيينات التي أجراها الرئيس أوباما في طاقم الأمن القومي كانت متوقعة في معظمها، وكانت أقرب إلى النقل والترفيعات الداخلية، إلا أنها كانت ملفتة في مدلولاتها ومضامينها الاستراتيجية والعسكرية، خاصة وأنها تزامنت مع عملية الكوماندوز التي قامت بها قوات أميركية خاصة وأدّت إلى مقتل أسامه بن لادن في باكستان. فهذا التطور الدراماتيكي بدا وكأنه الترجمة الأولى بل النمط المرجّح، الذي تؤشر إليه التشكيلات، بشقيها المعلن واللاحق المرتقب الإعلان عنه قريباً. وبالذات التبديل الذي حصل على مستوى وكالة الاستخبارات المركزية السي أي أيه والبنتاغون.

 

تأكيد الاستمرارية

في ظاهرها تبدو التشكيلات وكأنها تأكيد على الاستمرارية في التوجّه العام. وهي إلى حدّ بعيد كذلك، بحكم أن الوجوه هي ذاتها. فقط تبدّلت المواقع والمناصب. لكن مع ذلك، يرى الكثير من المحللين والخبراء أنها تؤذن بنقلة نوعية في الأدوار والمهام لهاتين المؤسستين الأساسيتين في التعامل مع البؤر الساخنة في العالم. وبدلاً من اللجوء إلى العمليات العسكرية التقليدية المكلفة والمهددة دوماً بالتورط المديد، صارت الأرجحية لعمليات الاستئصال الخاطفة وقليلة الكلفة والمجازفة، ولو في إطار استراتيجية الحذر أو »التمهّل والتجريب« حسب التسميات المتداولة في واشنطن، والتي تأخذ على الرئيس الأميركي بأنه يمارس من خلالها »القيادة من الخلف«، خاصة في الشرق الأوسط وحالة الغليان التي شهدها في الآونة الأخيرة.

مغادرة الوزير غيتس للبنتاغون لم تكن مفاجأة. فهو أعلن منذ أشهر عن اعتزامه التقاعد خلال ربيع العام الجاري. كما لم يكن خارج التوقع أن يتم نقل بانيتا إلى البنتاغون، على الرغم من »نجاحه« في ترميم وضع وكالة التجسس. الملفت كان وضع هذه الوكالة في عهدة رجل عسكري من وزن الجنرال ديفيد بترايوس. فتلك خطوة محسوبة بدقة وتتناسب مع الدور »المتعسكر« الذي بدأت تمارسه الوكالة في أكثر من ساحة، والذي تقرر ترسيخه وتطويره في الآونة الأخيرة. وقد تجلّى هذا الدور الجديد المتزايد، في تنامي قدراتها العسكرية التابعة مباشرة إليها، والتي تمّ إعدادها وتجهيزها بمعدات حربية تناسب مع عمليات معينة باتت موكولة إليها في الخارج. كما تجلّى في تكثيف الطلعات الجوية لطائرة »البراديتور« التي تتولى الوكالة تنفيذها في أكثر من ساحة، وبالتحديد في باكستان وإلى حدّ ما في اليمن. وكانت واشنطن قد أصرّت في الشهور الماضية على توسيع مساحة المطاردة الجوية هذه داخل الأراضي الباكستانية، على الرغم مما تسبب به ذلك من توتر مع إسلام أباد، نتيجة سقوط العديد من المدنيين في غارات »البريديتور« التي تقول التقديرات أنها حصدت حوالي ألفي قتيل من المقاتلين والمدنيين.

 

التصعيد الميداني

الجنرال بترايوس، الذي منح دعمه التام لهذه الغارات، ينتقل إلى الوكالة التي تولت الإشراف عليها. وهو الجنرال نفسه الذي يعتنق مذهب التصعيد الميداني، كما فعل في العراق وأفغانستان، وقد تمّ تكليفه لنقل هذا المذهب إلى الـ »سي آي أيه«. وهو تحوّل »يعكس قناعة أوباما بأن المواجهات الراهنة والمحتملة لاحقاً يمكن خوضها بكلفة أقل من حروب الجيوش وذلك من خلال قوات صغيرة الحجم وعمليات سريعة مموهة«. خلاصة القول، كما يشير المحللون، هي أن الرئيس رسا عليها، بحكم مقاربته التي جاء بها من البداية والقائمة على نقيض مقاربة سلفه تجاه النزاعات الخارجية. كما بحكم تجربة حربي العراق وأفغانستان المعروفة. وجاءت عملية الاقتحام لمخبأ بن لادن، لتعزّز هذا التوجه.

 لكن يبقى التحدّي الأكبر لهذا الانعطاف، في أفغانستان. »ليس من المتوقع أن تؤدي التشكيلات الأخيرة - خاصة انتقال بترايوس إلى وكالة التجسس - إلى أي تغيير تجاه الحرب هناك«، كما يقول جون ماكلوكلن المدير الأسبق للوكالة. لكن ثمة من يرى الصورة من زاوية مختلفة تفيد أن نقل بترايوس من موقعه كقائد لقوات التحالف هناك، ربما يشير في أحد جوانبه إلى تغيير قادم تجاه هذه الساحة، من خلال المضي ببدء الانسحاب حسبما هو مقرر مبدئياً.