لم يسبق منذ فك ربط الدولار بالذهب، في أوائل السبعينات، أن كانت عملة أميركا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الائتمانية، موضع تساؤل وارتياب كما هي الآن. الامتياز الذي كانت تتمتع به، على هذين الصعيدين، بدأ يفقد بريقه، وربما بدأت تنفد مشروعيته.
قيمة الدولار باتت مهدّدة بالهبوط المتزايد. والثقة بالملاءة المالية المستندة إلى اقتصاد عملاق، اهتزت بدرجة غير مسبوقة. الحديث بخصوص التخلي عن الدولار كعملة احتياط دولي وإحلال سلة عملات محله، ما عاد فقط احد الاحتمالات المتاحة، بل صار أحد الخيارات المرجحة، إذا ما بقي المأزق المالي يتفاقم.
ومثل هذه السيناريوهات صارت أخيراً حديث الأوساط والجهات الأميركية المعنية وليس فقط الأجنبية. والأهم أن بعضها جاء على شكل تحذيرات. بل على سبيل دقّ ناقوس الخطر.
والخشية في واشنطن أن القرار السياسي المطلوب للتعامل مع أزمة الديون والعجز، مفقود حتى اللحظة. التناحر على أشدّه بين مقاربة الكونغرس المتحكم به اليمين الجمهوري ومقاربة البيت الأبيض، بشأن التصدي لهذه الأزمة والمخاطر الكبيرة والبعيدة المدى التي تختزنها.
إشارات صادمة
أولى الإشارات الصادمة في هذا المجال، جاءت من مؤشر ستاندرد أند بورز الأميركي الموثوق، الذي خفّض تصنيفه لقدرة واشنطن الائتمانية من الدرجة «المستقرة» إلى الدرجة «السلبية».
من مقبول إلى موضع شكّ. من جملة ما يعنيه ذلك، أن التصنيف هذا مرشح بنسبة واحد إلى ثلاثة، للمزيد من الهبوط في غضون سنتين، في حال بقيت كرة ثلج الديون والعجز تتدحرج.
والمعروف أن حجم الأولى بات يوازي تقريباً حجم إجمالي الإنتاج القومي السنوي: 6،14 تريليون دولار. والثاني، يقدّر لهذه السنة بأكثر من تريليون ونصف. والحبل على الجرار، إذ ليس من المرتقب أن يختفي العجز،.
ولو بدرجات متناقصة إذا اعتمدت سياسات صحيحة، قبل 2021، حسب الاقتصادي الشهير بول كروغمان. الأمر الذي يوجب مواصلة الاقتراض، ببيع سندات خزينة، لسدّ حاجات الإنفاق خاصة على خدمة الديون، التي يقول عنها مدير صندوق النقد الدولي إنها «أسوأ من حالة بعض دول اليورو».
مشكلتان متداخلتان
وهنا تواجه واشنطن مشكلتين متداخلتين. الأولى سياسية داخلية، فرضها اقتراب موعد رفع سقف الاستدانة 8 يوليو المقبل وحاجة إدارة أوباما بالتالي، إلى تفويض جديد من الكونغرس للاقتراض من أجل تسديد المستحقات. والثانية، تتمثل في الانكماش الملحوظ والمتوقع ازدياده في قيمة الدولار. رفع سقف المديونية، لا فكاك منه.
البديل هو إعلان واشنطن عجزها عن تسديد موجباتها المالية. وفق كافة التقديرات وبرغم الفجوة الواسعة بين البيت الأبيض والكونغرس وبالتحديد مجلس النواب فإن التوافق إجباري. إعلان مثل هذا العجز يوازي الإفلاس.
وهذا حتى الآن، من الممنوعات في القاموس الأميركي. لكن في نهاية الأمر سيخرج الدولار من رفع السقف، بهبوط إضافي في قيمته المتناقصة. وهنا تكمن المشكلة أو التحدّي الثاني. وهذا الواقع تسلّطت عليه الأضواء في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد، قبل أسبوعين في واشنطن.
خلالها طالب كثير من الدول ومعهم مدير الصندوق، بمنحهم «مؤقتاً» حق مراقبة وضبط تدفق رؤوس الأموال إلى أسواقهم، «كإجراء دفاعي» لتفادي الآثار السلبية لسياسات دول هذه الأموال. وكان المقصود أميركا والدولار، حسب قراءات المحللين في واشنطن. صار الدولار عبئا بدل كونه ضمانة.
التحرك الصيني
بموازاة ذلك، تتحرك الصين ومنذ فترة على خطّ تكبير علامات الاستفهام حول قدرة أميركا على النهوض بالتزاماتها المالية، كما حول هشاشة الدولار كعملة للتداولات التجارية الدولية. في نوفمبر الماضي، خفّض مؤشر داغونغ الصيني، تصنيفه الائتماني للولايات المتحدة، بمقدار درجتين.
وعلى خطّ آخر، تعمل الصين بلا كلل على تقديم عملتها «اليوان» كبديل للدولار. خلال العام الماضي، أبرمت 0,5 ٪ من عقودها التجارية مع الخارج بعملتها الوطنية. ارتفعت هذه النسبة إلى 7٪ خلال الربع الأول فقط من العام الجاري. اليوان زاحف والدولار متراجع.
أهمية الدولار أنه كان دوماً ضمانة. سواء بربطه بالذهب، حسب اتفاقية بريتون وودز 1944، أو بعد فكه عنه 1971. الآن هذه الضمانة الامتياز مثقلة بالأعباء.اهتزاز وضعها يؤشر إلى بداية ضمور أحد ركيزتي التفوق الأميركي: الاقتصاد. آخر التوقعات أن الاقتصاد الصيني في طريقه لتجاوز نظيره الأميركي بعد خمس سنوات.
تبقى الركيزة العسكرية التي قد تجنح إلى المزيد من المغامرات العسكرية. خاصة إذا عاد اليمين الجديد، الذي يرفض المس بموازنة الدفاع رغم الضيق المالي، إلى البيت الأبيض.
