التوتر جزء من مسيرة العلاقات الأميركية ـ الباكستانية الطويلة. فهي من البداية كانت مضطربة، وولدت متأزمة. طبيعتها حكمت عليها أن تبقى ضمن هذه الدائرة. فمن جهة هي تحالف ضروري، لم يقو أي من البلدين على الاستغناء عنه. ومن جهة ثانية هي مبنية على أرضية هشّة من الشك والارتياب المتبادلين. معادلة فريدة، فشل الجانبان في تصحيحها وإزالة ألغامها. وبذلك بقيت مفخخة باستمرار. خاصة خلال العقد الأخير. لكن الحاجة المشتركة فرضت تعطيل الصواعق في كل مرة كانت تقترب من الانفجار. الأمر الذي أبقى العلاقات تحت السيطرة.
نقلة خطيرة
بيد أن القابلية على ضبطها في هذه الحدود، بدأت تتضاءل. بل هي مهدّدة بالتلاشي في المدى القريب. الأزمة المزمنة بينهما، شهدت نقلة خطيرة، مؤخراً. انتقلت من أزمة مكبوتة إلى شبه تراشق مكشوف وبلغة التحذير الأقرب إلى الإنذار. الاحتقان المتراكم بدأت تطلع تعبيراته وبما يوحي أن الفجوة بين الحليفين اللدودين آخذة في التوسع الذي قد ينسف المتبقي من الجسور، إذا تعذر استدراك الأمور قبل فوات الأوان.
بدأت ملامح التفاقم تظهر مع الزيارة التي قام بها قبل أيام، رئيس جهاز المخابرات الباكستاني الجنرال أحمد شوجا باشا، إلى واشنطن، «لوقف التدهور» في العلاقات. سبقها تسريب معلومات مفادها أن إسلام آباد فاتحت واشنطن، عن طريق رئيس الأركان الجنرال أشفق كياني، بضرورة التجاوب مع ثلاثة مطالب رئيسية: خفض عناصر وكالة المخبرات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، العاملين داخل باكستان بدرجة كبيرة. وثانياٍ تقليص بنسبة 40٪، عدد أفراد القوات الأميركية الخاصة التي تشرف على تدريب قوات باكستانية مماثلة ـ العدد يتجاوز الثلاثمائة بحسب التقديرات. ثم وقف كامل لطلعات الطائرات بدون طيار التي تستخدمها الوكالة فوق الأراضي الباكستانية لضرب عناصر طالبان والمناطق التي تقوم بتوفير الملاذ لهم.
التدهور المتسارع، بدأ منذ شهرين مع قضية الضابط الاستخباراتي الأميركي، الذي قتل مواطنين باكستانيين في لاهور والذي أصرّت واشنطن على إخلاء سبيله بعد توقيفه لمدة 47 يوماٍ وإخضاعه للتحقيق من جانب السلطات الباكستانية. وكان لها ما أرادت، بعد دفع ديّة القتيلين: أكثر من مليوني دولار. الاعتقاد السائد في واشنطن أن المطالب الباكستانية الثلاثة والصيغة الحازمة التي رافقتها، هي ردّ على الإصرار الأميركي بإطلاق سراح الضابط. إسلام اباد رأت في ذلك إهانة. ويبدو أنها عزمت على الأخذ بثأرها. لكن هذه القضية، على خطورتها، لم تكن كافية لدفع الأمور إلى نقطة التأزم الراهن، لو لم تأت على خلفية مثقلة بالتأزم. وبالذات عقب حرب أفغانستان.
اتهامات متبادلة
واشنطن دأبت على اتهام المخابرات الباكستانية بإقامة علاقات مع طالبان أفغانستان وبعض العناصر المتطرفة في باكستان مثل تنظيم حقاني وعسكر طيبة، فضلاً عن رفض الجيش ضرب مناطق الشمال والجنوب في مقاطعة وزيرستان. كلام يتردّد باستمرار في واشنطن. آخر تقرير رفعه البيت الأبيض إلى الكونغرس، يتحدث عن «خيبة» من باكستان في مواجهتها للمتطرفين. بالمقابل، تشكو إسلام أباد من عدم مراعاة واشنطن لحساسياتها السيادية والسياسية والقبلية. الوزيرة الباكستانية السابقة، شاريل رحمان، عبّرت عن مثل هذه الشكوى صراحة في ندوة شاركت فيها قبل أيام في واشنطن.
ليس ذلك فحسب، بل أن مصادر عسكرية باكستانية بدأت تشكك في أن ترسانتها النووية ربما صارت هي الأخرى مستهدفة. وهذا كلام جديد. لكن يبقى أن أكثر ما ألهب الجدل بين الجانبين، كان موضوع طائرات المخابرات الأميركية الموجهة عن بعد. الجنرال كياني أصدر بياناً شديد اللهجة ضد عملية أدّت إلى مقتل أحد زعماء القبائل المتحالفة مع الجيش. كما صدرت دعوات باكستانية تطالب القوات المسلحة بإسقاط هذه الطائرات. ومن الجهة المقابلة، بلغ خطاب بعض الدوائر الأميركية المتشددة حدّ مطالبة الإدارة «بضرورة إبلاغ باكستان بان أميركا عازمة على ملاحقة أعدائها، في الحرب على المتطرفين، أينما كانوا، سواء تعاونت إسلام أباد أم لا»، حسب ما تقول وول ستريت في افتتاحيتها. لغة تهديد مبطّن غير مسبوقة.
الكلام الحاد من الجانبين «ينذر بانفجار أزمة كبيرة بين واشنطن وإسلام اباد إذا لم تتغلب الحكمة في باكستان»، كما قال بروس رايدال من مؤسسة بروكنغز بواشنطن، في جوابه على سؤال لـ«البيان». العلاقات ما عادت في خانة التحالف ولو المهزوز بين البلدين. دخلت طور «إدارة أزمة» يحرص كلاهما على منع انفجارها وحتى إشعار آخر.
