الاستحقاق الرئاسي الأميركي ما زال على مسافة حوالي سنة ونصف. لكن خطابه بدأ يلعلع من الآن وبلغة تنبئ بأن معركته لن تكون منافسة مألوفة اعتادها الأميركيون كل أربع سنوات.

 

مقدمات موسم الترشيح، الذي افتتحه الرئيس باراك أوباما قبل أيام بالإعلان عن عزمه على تجديد رئاسته، تشي بأن أميركا قادمة على حملة انتخابية شرسة وخطيرة في آن. الأسلحة التي يشحذها الجمهوريون، عدائية ومشحونة بنبرة عنصرية فاقعة.

 

بواكيرها ظهرت على لسان المرشح الجمهوري المحتمل الملياردير المعروف دونالد ترامب، الذي فتح النار على شخص أوباما من باب الزعم بأنه «غير مولود في الولايات المتحدة لأنه لا يملك «شهادة ميلاد» رسمية حسب المعمول به. المعروف أن لدى الرئيس «شهادة ميلاد حياة»، كان قد قدمها عند ترشيحه الأول واعتمدتها الجهات الرسمية المعنية.

 

الغاية من إثارة الموضوع، ومن خلال شخصية مسموعة بحكم الشهرة والموقع الاجتماعي، هي رسم علامة استفهام حول مشروعية رئاسة أوباما.

 

 

الرسالة أنه لا يجوز له، حسب الدستور، أن يشغل هذا المنصب أصلاً وبالتالي لا يحق له الترشيح للمرة الثانية، لأنه يفتقر إلى شرط الولادة على الأراضي الأميركية.

 

وقد انطوى كلام ترامب على تهمة مبطّنة بأن الرئيس ارتكب مخالفة دستورية، إذ أنه كان يعرف هذه الحقيقة ومع ذلك خاض معركة الرئاسة. خطاب، لعبته وسائل الإعلام بصورة مكثفة،.

 

وبما أشاع الشكوك وفرض الموضوع على الساحة. وبالتحديد لدى قواعد الحزب الجمهوري ومناصريه. وترامب بات يحتل المركز الثاني ‬17٪ في قائمة المرشحين الجمهوريين. حتى قبل أن يعلن ترشيحه.

 

كما يحتل المرتبة الأولى ‬23٪ في صفوف «حزب الشاي». والمعروف أن هذا الزعم كان سبق وزرعه اليمين الأميركي منذ أكثر من سنة وروّج له عبر شبكة إعلامه الواسعة الانتشار والبالغة التأثير.

 

الاستطلاعات الأخيرة تقول أن حوالي ‬70٪ من مؤيدي الجمهوريين وحزب «الشاي» باتوا يسلمّون بهذا الزعم.

 

طرح هذا الموضوع سمّم أجواء معركة الرئاسة، قبل افتتاح حملتها. حالة مرشحة للتفاقم لأن خصوم الرئيس عازمون على المضي في توظيف هذه الورقة المزعومة إلى أقصى الحدود.

 

فهم لن يتردّدوا في اللجوء إلى أي وسيلة قد تحول دون عودة أوباما إلى البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى.

 

حتى ولو كانت شديدة الحساسية وسريعة الالتهاب مثل هذا الزعم. وهذا هدف طالما جاهرت قياداتهم به.

 

مواجهة أوباما من هذا الباب، عملية من شأنها أن تستفزّ الأميركيين السود والأقليات بشكل أساسي وتدفع الساحة باتجاه المزيد من الفرز العنصري. لكن يبدو أنهم غير آبهين بالتداعيات.

 

أجندة صدامية

الحزب الجمهوري الذي بات إلى حدّ بعيد تحت سطوة اليمين المتشدد و«حزب الشاي»، يتجه نحو الانتخابات بأجندة صدامية، انقلابية غير مسبوقة.

 

وقد نجح في تمريرها بانتخابات الكونغرس الأخيرة. وهو يطمح لتكرار السيناريو في الاستحقاق الرئاسي. التحديات والظروف التي تمر بها أميركا، معطوفة على تراجعات أوباما وارتباك سياساته، ساعدت على تسويق مزاعمه.

 

يتذرّع بديون الخزينة لمسح مشاريع الضمانات الاجتماعية، التي أسسها الديمقراطيون من فرانكلين روزفلت حتى رئاسة جونسون، من الموازنة.

 

في حين يصرف النظر عن موازنة البنتاغون التي تشكل حوالي سدس الموازنة العامة. بل بعض الجمهوريين يطالب بزيادة حصة الدفاع.

 

انقضاض على دور الدولة في الداخل، يقابله المزيد من عسكرة هذا الدور في الخارج. صحيح أن غول العجز بات يهدد بتفليس أميركا التي «شفع بها الدولار بحكم أنه عملة الاحتياط في العالم وإلاّ لكنا صرنا كاليونان» ، كما يقول الوزير الأسبق جيمس باكر.

 

لكن هذا على خطورته، ليس المحرك لهذا التوجه، بقدر ما هو القناع الذي يخفي مشروع إعادة صياغة الأولويات في السياستين الداخلية والخارجية، على قاعدة التضييق والتشدّد.

 

ولا مرة كانت الديمقراطية الأميركية وآلياتها مشروخة كما هي الآن.

 

رخاوة براغيها ماثلة في جوانب كثيرة. ثمة شحّ كبير في القيادات النوعية. الترهل بادية آثاره في نواح كثيرة حساسة.

 

من القطاع الطبي إلى القطاع التربوي فالطيران، ناهيك عن البنية التحتية المتهالكة والعجز عن معالجة رواسب الأزمة المالية وغيرها.

 

وسط هذه التحديات النوعية يهجم اليمين لاستعادة البيت الأبيض بأجندة فجّة وبمرشحين لا يتقنون سوى لغة التحريض والتأليب والذين ساعدتهم إدارة أوباما على ترويج خطابهم من خلال إدمانها على العمل بسياسة ردّ الفعل، المحكومة بالتسويات على حساب التغيير الموعود.