واشنطن مسكونة إلى حدّ بعيد بالهمّ الأفغاني. أحداث المنطقة وتحولاتها الكبيرة الجارية، من تونس إلى الأزمة الليبية وشبه التدخل العسكري فيها، ربما طغت سيرتها عليه. لكنها لم تحجب حضوره ولا تحلّ مكانه. انفتاح هذه الحرب على المجهول، مثار قلق أميركي دائم. مجرياتها تبقى المحور والشاغل الأساسي، للإدارة كما لكافة المعنيين بشؤون السياسة الخارجية هنا. على مسارها ونتائجها، تتوقف توجهات واستراتيجيات، بعيدة المدى، على الصعيدين الإقليمي والدولي.
اقتراب الموعد الذي ضربه الرئيس ـ أول يوليو ـ لبدء المرحلة الأولى من انسحاب القوات الأميركية، أعاد الموضوع إلى الواجهة. وزاد من أهمية هذا الموعد أنه يتزامن تقريباً مع انطلاق بدايات حملة انتخابات الرئاسة لعام 2012. ومن هنا إصرار البيت الأبيض على أن يأتي الانسحاب في وقته المحدّد وبحجم وازن، بحيث يكون له أثره الإيجابي لدى الرأي العام الأميركي. من خلاله يكون الرئيس أوباما قد ظهر أنه أوفى بوعده كما يصبح بيده ورقة يستخدمها للتدليل على جدّيته وعزمه على طي صفحة هذه الحرب بحلول 2014. خطوة عملية من شأنها أن تعود بمردود انتخابي لصالحه. فالحرب الأفغانية يمقتها الأميركيون كما لم يحصل من قبل.
لكن القيادة الميدانية، ترى الحرب من منظورها العسكري البحت. خاصة وان مجرياتها تستحضر المخاوف من تمادي التورط والغرق بما يشبه فيتنام أخرى. تباين الأولويات أدّى إلى احتدام الجدل بين المقاربتين. وإذا كانت الكلمة الأخيرة تعود للرئيس، بحكم كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلاّ أنه لا يقوى على التحكم بالنتائج،. وهذه ليست مضمونة. الرياح لا تنفخ في شراعها، وفق المرغوب. وذلك بشهادة بتريوس نفسه. تعثّر من شأن استمراره، تهديد رئاسة أوباما وربما الحيلولة دون تجديدها.
في عرضه للوضع الميداني أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، مؤخراً، أبدى الجنرال بترايوس، قائد قوات التحالف في أفغانستان، فتوراً واضحاً لفكرة سحب قوات ولو رمزية في يوليو المقبل. فما تحقق من مكاسب عسكرية في الآونة الأخيرة، ما زال «سريع العطب وقابل للضياع»، على حدّ ما قال. لهذا حذّر من عواقب المغادرة المبكرة وتوقّع أن يبقى هناك تواجد أميركي في أفغانستان حتى بعد 2014.
مع ذلك، وعد الجنرال برفع خطته للانسحاب الجزئي القريب، إلى الرئيس أوباما. مصادره تتحدث عن خيارات تدور في حدود سحب عدد رمزي من القوات. في أحسن الحالات لا يتعدّى الخمسة آلاف جندي. هو أصلاً لا يحبّذ أي خفض، بدعوى أن الوضع الأمني لم يستتب بعد وأن إعداد القوات الأفغانية لم يستكمل شروطه بعد.
البيت الأبيض يطالب بانسحاب عدد لا يقل عن 30 ألفاً. أي القوة الإضافية التي سبق ووافق أوباما على إرسالها إلى المسرح الأفغاني عام 2009، بغرض التصعيد ضدّ طالبان. يومذاك ربط الرئيس الموافقة بجدول زمني ينتهي بحلول يوليو من العام الجاري، حيث تبدأ معه مغادرة الدفعة الأولى من القوات لأفغانستان. والآن بات استحقاق الانسحاب الموعود، وراء الباب.
حوالي ثمانين يوماً ويحل الموعد. وحتى اللحظة لا خطة للانسحاب الموعود. والرئيس أوباما أعلن رسمياً عن مباشرته الإجراءات القانونية اللازمة لخوض معركة الرئاسة مرة ثانية. بالتالي هو مستعجل لتقديم سلفة للناخب الأميركي. لتعزيز مصداقيته من جهة، ولخفض كلفة الحرب قدر الإمكان ومن جهة أخرى ـ ما يزيد على مئة مليار دولار سنوياً ـ في زمن مالي بالغ الصعوبة.
أوباما له أولوياته السياسية في اللحظة الراهنة. تورط بالموافقة على طلب زيادة القوات الأميركية قبل سنة ونصف، مما أفسح المجال آنذاك لوضعه بين خيارين: إما تلبية طلب العسكر بالزيادة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى دحر طالبان، وإما رفض الطلب وبالتالي تحميله وزر أي تدهور لاحق لصالح هذه الأخيرة. والآن يتكرر السيناريو بعدما تعذر الحسم المرغوب: إما صرف النظر عن الانسحاب أو تقليصه إلى حدوده الدنيا إذا كان لا بدّ منه وإما ترك تقدير حجمه للبيت الأبيض وتحميله مسؤولية العواقب التي قد تترتب على قراره.
والأرجح أن الرضوخ لتوصية الميدان سيتكرر. فالرئيس قد يخشى المجازفة بالخفض الذي يريد، لئلا يؤدي ذلك إلى تجدّد النزف في صفوف القوات وبالتزامن مع حملته الانتخابية. الخطأ كان في التصعيد الذي صار محكوماً بديناميكية السعي لتحقيق نصر، يبدو حتى الآن أقرب إلى السراب.
