الحروب محطات شبه دورية في تاريخ أميركا، وقد توالت بمعدل حرب كل 21 سنة من عمرها. بالإضافة إلى حربها الأهلية. والمصادفة الغريبة أن هذا المسلسل بدأ بليبيا والمغرب - كان شمال أفريقيا يعرف يومئذ بشاطئ البرابرة - سنة 1801 وانتهى اليوم، بعد 210 سنوات، بليبيا.
خلال هذه المدة، نيّف وقرنين، أرسلت الولايات المتحدة قواتها في عمليات وغزوات عسكرية متفرقة، في الجوار اللاتيني وآسيا وأوروبا. وفيها كلها، تفرّد الرئيس الأميركي بالقرار العسكري، خلافاً للدستور الذي حصر صلاحية إعلان الحرب بالكونغرس، حتى لا يبقى رهن مشيئة فرد ولا يتخذ إلاّ بعد النقاش والتصويت عليه.
لكن هذا النص بقي عملياً أقرب إلى مجرد حبر على ورق. الرئيس الأميركي اختطف هذه الصلاحية عبر المناورة والالتفاف والتحايل الشكلي. فهو لم يكن فقط القائد الأعلى للقوات المسلحة، حسب الدستور، بل أيضاً صاحب قرار الحرب والسلم. وفي مرات كثيرة تعمّد سيّد البيت الأبيض وإدارته تلفيق الذرائع لخوض الحروب في الخارج.
وعلى سبيل المثال، حصل ذلك في الحرب مع المكسيك في 1846 ومع اسبانيا 1898، فوق أراضي مستعمراتها في كوبا والفيليبين وجزيرة جوام، والحرب على العراق2003.
وبقي الأمر على هذا المنوال، حتى بعد أن أصدر الكونغرس «قانون الصلاحية» عام 1973، للتأكيد على حقه الدستوري. وبموجبه يتعين على الرئيس الأميركي إبلاغ الكونغرس بأي قرار عسكري خارجي يتخذه، في غضون ثمان وأربعين ساعة. كما عليه الحصول على موافقة الكونغرس، بعد ثلاثين يوماً من تكليف القوات المسلحة بمهمات حربية في العالم، قابلة للتمديد فترة مماثلة ولمرة واحدة فقط. وقد لجأ الكونغرس إلى هذا القانون بعد فضيحة خليج تونكين، أثناء الحرب الفيتنامية، التي أخفى حقائقها الرئيس جونسون عن الكونغرس.
ومع ذلك بقي النص في دائرة اللون الرمادي. الرؤساء الأميركيون الذين تعاقبوا تجاهلوه بزعم أنه يكبّل أيديهم في الدفاع عن البلاد ومصالحها. لذا اعتادوا على الاكتفاء بالتشاور فقط مع الكونغرس. أحياناً يحث الكونغرس على إعطائه الضوء الأخضر، بصيغة أو بأخرى، من خلال قرار يؤكد على تفهم موقف الرئيس، أو يبرر لجوءه إلى خطوة من هذا النوع. لاسيما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بحجة دواعي الأمن القومي. بالنهاية هو يحتفظ بالقرار والكونغرس يتخلى بصورة ملتوية عن صلاحيته. أو بالأحرى يتواطأ مع نفسه ويرتضي غض النظر.
خاصة إذا كانت الأكثرية فيه من حزب الرئيس. وحتى في الحالات التي لا تكون فيها الغالبية لصالحه، نجح الرئيس في أن يستبقي المبادرة العسكرية بيده. وصار ذلك أقرب إلى التقليد المتوافق حوله بصورة ضمنية. على خلفيته، مضى الرئيس بوش في غزو العراق. كانت حربه والكونغرس بصم وسكت عليها، من غير إعلانها. اتكأ على تصويت في الكونغرس، يوفر له الغطاء، كما على قرار دولي ضبابي. تقليد تحول على ما يشبه العرف، بالرغم من التحذيرات التي تكررت بين الحين والآخر من خطورة التمادي به لأنه «لا يسع أميركا أن تصبح شرطي العالم»، كما قال مرة المرشح الرئاسي الديمقراطي الأسبق جورج ماكغفرن.
الرئيس أوباما، بقي هو الآخر في حدود هذا العرف. ذهب إلى المشاركة في الحملة الجوية ضدّ قوات القذافي، من دون التشاور حتى الشكلي مع الكونغرس. استغرق أكثر من أسبوع قبل أن يشرح الدوافع في خطابه، أخيراً، للشعب الأميركي. علماً بأن هذه العملية مختلفة بطبيعتها وظروفها عن حروب الاجتياح، وان الرئيس قدّم مسوغاتها في هذا الخطاب بصورة تكفل تسويقها.
يعرف الرئيس، كل رئيس، أن الكونغرس لا يرغب عملياً في ممارسة هذه الصلاحية، فينأى عن تحمّل مسؤولية من هذا النوع لكلفتها الانتخابية. ويعرف الرئيس أيضاً أن الكونغرس يوافقه ضمناً أو لا يمانعه في حروبه الخارجية. إبلاغه أو التشاور معه في هذا الخصوص، مسألة شكلية. وفي النهاية فإن العمليات العسكرية هي تعبير عن فائض القوة، الذي تملكه الولايات المتحدة، بصرف النظر عن حيثيات هذه العمليات. وبحسب دراسة نشرتها إحدى المجلات المتخصصة في شؤون الدفاع فإنه من أصل كل دولار ينفقه العالم في المجال العسكري، تبلغ حصة أميركا فيه حوالي النصف،أي 40 سنتاً.
لكن هذا الفائض بدا يتأثر بضغوط المديونية العامة والعجز في الموازنة. ومع ذلك ما زال من المبكر معرفة ما إذا كان هذا الواقع ستكون له آثاره في لجم المغامرات العسكرية الأميركية، التي يبدو أن أوباما ليس كسلفه من أنصارها.
