يعيد قرار مجلس الأمن الأخير ‬1973، بخصوص الأزمة الليبية؛ طرح موضوع حماية المدنيين في النزاعات الداخلية من بابه الواسع. وبالتحديد من زاوية مسئولية المجتمع الدولي في هذا الشأن. فهذه الأخيرة ليست، حتى الآن، عند المستوى المطلوب؛ في عالم يزعم الاحتكام للقوانين والشرائع الدولية التي وجدت لتعزيز وتحصين حقوق الإنسان. وفي الأساس حقه في الحياة الآمنة والحرية. بل كانت هذه المسئولية أحياناً غائبة أو مغيّبة. وفي حالات كثيرة كانت منقوصة أو انتقائية. وفي كل الأحوال، بقيت خاضعة لحسابات ومصالح الكبار وصراعاتهم حول مناطق النفوذ. مرة يبرز الاهتمام بها كي لا يسقط المدنيون ضحايا مثل هذه الصراعات. ومرة أخرى يجري تجاهلها هي والحروب الأهلية التي تمس الشعوب. إخضاع التدخل الدولي لقاعدة الاستنساب، كشف عن زيف مزاعم الالتزام بهذه الحماية والحرص على توفيرها. وفي أحسن الحالات، كشف عن عدم شمولية هذه المزاعم. نتيجة ذلك بدت المنظمة الدولية، المفترض أن تكون الحارس الأمين في هذا المجال؛ وكأنها كانت متفرجة على أحداث أهلية مرعبة بدمويتها. أو كأنها كانت مقيدة ومشلولة، لا حول لها ولا قوة. تكرّر هذا المشهد عدة مرات وفي بلدان وظروف مختلفة، من دون أن تفرض الدروس أي تحوّل نوعي باتجاه وضع آلية دولية تكفل التحرك الفعال في مثل هذه الظروف.

الحالة الليبية تسلّط الأضواء على عملية اللف والدوران التي تواكب صدور قرار دولي، من هذا النوع، في الوقت المناسب. التأخير في هذه الحالات يؤدي إلى مآس. الفارق يكون كبيراً بين التحرك المبكر والمتأخر. في الحالة الراهنة ومنذ أن بدأ نظام القذافي هجومه المضاد وبكل ما ملكت يداه من آلة الدمار والموت، ضدّ مناطق الانتفاضة، كان واضحاً أن البلد قادم على حمام دم. اقتحام مدن بالدبابات والأسلحة الصاروخية والقصف الجوي، كان ينذر بكارثة من هذا النوع. وبالرغم من صرخات التوسل والاستنجاد التي أطلقتها المناطق المستهدفة، إلاّ أن القرار الدولي استعصى العثور عليه. ضاع بين العواصم المعنية، التي ظلت تختبئ وراء ذرائع واهية وتماطل بحجة غياب الإجماع. وخاصة من جانب إدارة أوباما. في الأسبوع الأول من الهجوم المضاد، اختارت الانتظار. عندما ازدادت الضغوط عليها بنتيجة تعاظم التهديد، بدأت تتحدث عن الحظر الجوي، لكن كخيار مشروط بتوافق دولي واسع. خاصة من قبل الكبار في مجلس الأمن. ومع علمها بوجود اعتراضات معروفة، لكنها لم توظف الثقل الأميركي لاستصدار القرار اللازم لضمان سلامة المدنيين في الشق الشرقي الخارج عن سلطة القذافي. بقي اللعب على الألفاظ متواصلا وكذلك الغموض في الموقف، حتى الأسبوع الأخير؛ عندما بدا أن سقوط بنغازي بات مسالة أيام قليلة. عند ذاك اضطرت واشنطن أوباما للتحرك في مجلس الأمن وكانت ولادة القرار؛ التي جاءت متأخرة. السياسة وحساباتها أخرت القرار وكادت تحول دون بلوغه. والسياسة بالنهاية وليس الاعتبارات الإنسانية وحدها، كانت وراء صدوره.

وليس ذلك بجديد. ففي حالات كثيرة سابقة، حالت حسابات السياسة دون إنقاذ المدنيين. عام ‬1994، جرى نحر ‬800 ألف نسمة في رواندا، خلال أسابيع قليلة؛ من دون أن يلتفت أحد إلى هول المجزرة. جرى تغييب الأمم المتحدة وترك الجنون الدموي ليأخذ مداه. وبالنهاية ذرف القادرون ومنهم الرئيس كلينتون، دموع التماسيح. وقبلها ترك الانفلات الصربي على حاله بين ‬1992 و ‬1995 ولغاية وقوع مجزرة سربرنيتشا. غاب أيضاً أي دور للأمم المتحدة. الموقف الروسي حال دون ذلك. ومثل هذا التعطيل تكرر إزاء حروب أهلية كثيرة أيام الحرب الباردة. نظام بول بوت مارس الإبادة وقضى على عشرين بالمئة من الشعب الكمبودي بين منتصف وأواخر السبعينات، من غير ردع أو محاسبة. حرب لبنان الأهلية قضت على الألوف طيلة عقد ونصف من الزمن، فيما بقي العالم مكتوف الأيدي. حروب القارة السوداء من الكونغو إلى السودان إلى أنغولا وغيرها، سحقت هي الأخرى ملايين المدنيين.

النزاعات المحلية في العالم، مسلسلها طويل وكلفتها مخيفة. والأخطر أن جحيمها مفتوح على المزيد، طالما بقيت المرجعية الدولية المناسبة مكبلة اليدين حيالها. حان وقت تمكينها من النهوض بالدور الطبيعي الذي يبرر وجودها. إذا كان المتباكون على حياة الأبرياء جادين، فما عليهم سوى التوافق سلفاً على آلية تخول الأمم المتحدة صلاحية التدخل السريع المبكر، كي تحول دون استمرار هذا المسلسل المخيف.

 

كلام صورة