الكارثة المثلثّة التي ضربت شمال اليابان، لم تكشف عن هول غضب الطبيعة ومآسيها فقط، بل أيضاً عن الأخطار والكوارث الهائلة التي يصنعها الإنسان أحياناً لنفسه. تسرّب الإشعاعات من مفاعلين نووين هناك ؟ وربما من أربعة لاحقاً ؟ لم يسفر حتى الآن عن تهديد مباشر لسكان المنطقة. لكن إذا تعذر ضبط التسرّب وتطور الخلل لدرجة احتراق قلب المفاعل وذوبانه تحت تأثير الحرارة الفائقة، عندئذ قد تصبح أرقام ضحايا الزلزال والتسونامي الذي تبعه، باهتة أمام ما قد يؤدي إليه الإشعاع من تبعات صحية ومناخية قاتلة وطويلة المدى. الحوادث المشابهة السابقة كما التحذيرات الراهنة، تنذر بمثل هذا الاحتمال.
في كل حال، فتحت الحادثة الملف القديم ؟ الجديد المتعلق بمدى سلامة مفاعلات الطاقة النووية. خاصة في واشنطن، حيث طغت سيرته على كل ما عداها، بما فيها الوضع الليبي. فهي استحضرت أزمات أخرى من هذا النوع توالت في غير مكان. ومنها واحدة شهدتها الولايات المتحدة الأميركية، قبل نيف وثلاثة عقود. ومعها عاد إلى التداول السؤال نفسه، لكن هذه المرة بإلحاح أشدّ : هل نظافة هذه الطاقة ورخص كلفتها يبرّران المجازفة بمخاطرها ؟
مخاوف مزمنة
المخاوف في هذا الخصوص مزمنة. تعود إلى بدايات هذه الصناعة والحوادث التي رافقتها. وما يعزّز التساؤل، أنها حصلت في ظروف مختلفة ولأسباب متنوعة، تراوحت بين الخطأ البشري والخطأ التقني وانتهاء بالتدخل من جانب الطبيعة. الأمر الذي يشير إلى أن هذه الصناعة ما زالت غير منيعة كفاية ومفتوحة على أكثر من خلل وتهديد. عام 1957 وقع انفجار في مجمع نفايات نووية لمفاعل روسي، أدّى إلى انتشار الإشعاعات فوق منطقة واسعة وتسبب بمقتل حوالي مئتي شخص ونزوح الآلاف. احتل، حتى الآن، المرتبة الثانية من حيث حجم كارثته. المرتبة الأولى بقيت لمفاعل تشيرنوبل السوفياتي، عام 1986، الذي تسبب بتلوث أصاب الآلاف بأمراض السرطان وغيرها من العلل القاتلة. قبلها، في أواخر السبعينات،عرفت أميركا هذا الذعر، عندما وقع خلل في مفاعل بولاية بنسلفانيا وحمل السلطات على تفريغ المنطقة من سكانها، والقيام بمراجعة واسعة لإجراءات الحماية والأنظمة التي حكمت هذه الصناعة. وبين هذه الحوادث أو بعدها، حصلت حرائق وتسربات في مفاعلين يابانيين، في 1995 و2007 ومرة في مفاعل هندي.
على هذه الخلفية، وقعت الحادثة الأخيرة. وفاقم الشكوك، أن مواصفات المفاعلات ؟ المصمّمة لتحمّل صدمات الزلازل ؟ وإمكانات اليابان التكنولوجية، لم تكن كافية للحيلولة دون وقوع المحظور. كما لم يخفف من الهلع أن التصميمات لم تأخذ في الاعتبار خطر التسونامي، كما تردّد. ولا أن الجهات اليابانية المعنية، يمكن تكون قد تباطأت في تطويق الخلل، على ما يرى خبراء أميركيون. كل ذلك لم يخفف من حدّة القلق. لاسيما وأن ثمة تفسيرات تسلّط الأضواء على خلل تقني حصل في صمام بسيط ينفتح آلياً لتنفيس الضغوط ثم ينغلق. لكنه هذه المرة لم يعد إلى وضعه الأساسي فسمح لسائل النيتروجين المستخدم للتبريد، بالتدفق إلى خارج وعائه، مما تسبب بارتفاع حرارة لبّ المفاعل إلى فوق الألف ومئة درجة مئوية وبالتالي بتسرّب الإشعاعات. وقد تبدّى القلق، في لهجة الردود الأميركية. خاصة في الكونغرس الذي سارع أقطابه، حتى المتحمسين منهم للطاقة النووية والمحتضنين لشركاتها، إلى فرملة التوجه نحو التحديث والتطوير في هذا القطاع. المعلوم أن إدارة أوباما اقترحت في موازنتها وضع 36 مليار دولار بتصرف وزارة الطاقة، لتمكينها من تقديم ضمانات لقروض مخصّصة لبناء عشرين منشأة نووية جديدة. أميركا تملك الآن 31 منها، في حين لدى اليابان، البلد الثاني من حيث التعويل على هذه الطاقة، 17منها تحوي على 55 مفاعلاً. وكلاهما يعمل بنفس التكنولوجيا.
يوم بعيد
المخاوف من كارثة، ليست طارئة. من الأساس، هي قائمة من بابين: صمامات الأمان للمفاعلات، التي أثبتت التجارب أنها ليست كافية حتى الآن لاجتناب كارثة كادت أن تقع أكثر من مرة في أكثر من بلد. وبالذات في بلدان على قمة التقدم التكنولوجي. وثانياً، مشكلة النفايات النووية، التي لم يتم التوصل بعد إلى الخلاص منها بصورة تقضي على مخاطرها نهائياً. تحدّيان، تبقى معهما الحاجة إلى مصادر الطاقة الأحفورية قائمة، لا بديل عنها إلى يوم التغلب عليهما. وحادثة اليابان تأتي لتؤكد أن ذلك اليوم ليس معنا ولا يبدو في المدى المنظور.
