على الرغم من أن المعادلات السياسية الجديدة في الساحات العربية التي عصفت بها الانتفاضات لم تتبلور بعد، إلاّ أن هذا الموضوع بدأ يحتل واجهة الاهتمامات الأميركية الراهنة. بات يتقدّم حتى على متابعة التطورات التي ما زالت جارية، في غير بلد بالمنطقة. فالتغيير حصل أو في طريقه للحصول، في أكثر من ساحة عربية هامة. السؤال المطروح الآن وبإلحاح في واشنطن، يدور حول مدى هذا التغيير ووجهته.
والأهم، حول تحديد القوى المرشحة لتكوين تركيبة حكمه وصياغة سياساته. الملفت، في الحديث عن هذه القوى، أن ما كان منها خارج القاموس الأميركي صار، بحكم الأمر الواقع والظروف المستجدة، في عداد مفرداته المتداولة اليوم. الحركات الإسلامية وبالتحديد الملتزم منها بقواعد اللعبة السياسية المعروفة، مثل حركة «الأخوان المسلمين»، بات ذكرها يتردد في واشنطن، كمشارك محتمل في الحكم وكطرف من المصلحة قبول فتح خطوط التحاور معه، وكذلك مدى اقدام واشنطن على كسر المحظور وتنويع علاقاتها العربية.
تاريخياً كان ذلك من الممنوعات الأميركية ومع بداية الأحداث، أثار ذكر «الأخوان» كأكثر قوة سياسية منظمة، المخاوف والتحذيرات من جانب دوائر أميركية عديدة، بدعوى أنها قد تعمل على «خطف الانتفاضة» وإقامة نظام بديل متشدّد في مصر. لكن غياب أي شعارات من هذا النوع، عن «ساحة التحرير» كما عن الحركات الاحتجاجية في عواصم أخرى، استوقف المراقبين وفتح النقاش حول الحركات الإسلامية المتواجدة على الساحة والفوارق في ما بينها.
تسلطت الأضواء على التنوع وتعدد الأجنحة فيها. ثم بدأت النغمة تتبدل، باتجاه طرح خيار التعامل مع المعتدل منها. جرائد كبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، فتحت ؟ في اليوم ذاته؟ صفحة الرأي فيها لمقالات بقلم قياديين في حركة «الأخوان»، كان محورها التأكيد على الالتزام بقواعد اللعبة السياسية المعمول بها ولو من منظار خاص يتماشى مع قناعاتها. «الحركة تبرأت، منذ فترة طويلة، من العنف وأعلنت التزامها بنهج العمل السياسي السلمي وبالتالي لا ينبغي أن نخشى من صعود التيارات الإسلامية من خلال الممارسة الديمقراطية، لاسيما وأن أميركا باتت تسلّم بحتمية مثل هذا الصعود». يطرح الباحث بروس رايدال من مؤسسة بروكنغز للدراسات في واشنطن.هذا«السؤال»، يضيف: «هل هذه الحركات عازمة على البقاء في خط الاعتدال أم على مغادرته.
كلامه يكاد يلخّص المقاربة الأميركية الجديدة التي تدعو إلى التخلي عن الفيتو بحق الاعتدال الإسلامي السياسي. صدرت كتابات عديدة في هذا الخصوص. مقالات ودراسات وكتب. آخرها كتاب في طريقه إلى رفوف المكتبات، من تأليف الباحث الزائر في مؤسسة وودرو ويلسون، لورنزو فيدينو، بعنوان «الأخوان المسلمون الجدد في الغرب». يقدّم الكاتب الأخوان بصورة حركة سياسية «يمكن لواشنطن أن تجد السبل للعمل معاً بالرغم من الخلافات في السياسة الخارجية». وحسب المؤلف»، هناك في السي أي أيه ووزارة الخارجية من هو مقتنع بفكرة العمل مع الأخوان ضدّ تنظيم القاعدة، من باب أن التطرف لا يهزمه سوى التطرف». طرح يلقى المزيد من القبول ولو مع التحفظ والحذر. ساهم في ذلك تكرار الحديث عن التمايز بين الاثنين. «هناك التباس لدى الأميركيين بين القاعدة والإخوان على أنهم واحد. وهذا ليس صحيحاً. وعلى هذا الأساس نحن على اتصال وتحاور مع الجميع في مصر ومن ضمنهم الإخوان»، يقول لورانس كروب، مساعد وزير الدفاع سابقاً في رده على سؤال لــ «البيان».
على خلفية هذا الطرح وفي ضوء التطورات المتسارعة في المنطقة، عمدت إدارة أوباما إلى تسريب معلومات وتقارير للصحف، حول استعدادها للتعامل مع الواقع الجديد الذي ستفرزه الانتفاضات والمتوقع أن يكون فيه دور بارز للحركات الإسلامية. مسؤول كبير نسب إليه القول بأنه «لا ينبغي التخوف من الإسلام في الحياة السياسية لتلك البلدان. الحكم بالنهاية يكون على سلوك الأحزاب والحكومات وليس على علاقتها بالإسلام».
الرسالة التي تريد الإدارة تمريرها، أنها بصدد مغادرة السياسة المتوارثة والقائمة على تقديم الاستقرار في المنطقة على الاعتبارات الأخرى ومنها الديمقراطية. بديلها دعم الاثنين، من زاوية أن الثانية هي الضمانة لاستقرار مديد يخدم مصالح أميركا على الوجه الأفضل. حتى لو كانت سياسة التكيف هذه تهدف لاحتواء أجنحة إسلامية، وتعميق إسفين الخلاف بين البعض، فهي خطوة تفتح صفحة غير مألوفة في تاريخ العلاقات العربية ـــ الأميركية.
