طرحت أحداث منطقتنا، بدءاً من تونس وحتى ليبيا، أسئلة كثيرة في واشنطن يتقدمها واحد مركزي: لماذا فشلت الدوائر والجهات الأميركية المختصة في تحسّس احتمال وقوع تلك الهزّات؟ لا هي أدركت مؤشراتها قبل انفجارها ولا أحاطت بحتمية وقوعها. كانت النتيجة أن الانتفاضات التي توالت باغتت الإدارة وأوقعتها في الإحراج والبلبلة وكشفت ارتباكها، فعرّضها ذلك لانتقادات كثيرة بأنها كانت بطيئة ومتأرجحة في التعامل مع التطورات؛ بحيث بدت وكأنها كانت أسيرة ردّ الفعل اللاهث وراء الحدث.

الملامة توزعت في أكثر من اتجاه. لكن وكالة الاستخبارات المركزية السي أي ايه، كانت في وسط الضوء؛ باعتبارها الجهة الرئيسية الموكول إليها، من جملة مهامها، أمر رصد أي تغيير في الساحة الدولية والتنبيه المبكر بشأنه. خاصة إذا كان بحجم الذي حصل وفي منطقة سريعة الالتهاب وبالغة الأهمية من الناحيتين الجيوستراتيجية والاقتصادية، كمنطقتنا.

التفسيرات كانت كالردود، مشوشة. يجمع بينها قاسم مشترك واحد: الاعتراف بوجود قصور فادح. المسؤولية تصوّبت في أكثر من اتجاه. بدءاً من البيت الأبيض وزارة الخارجية والكونغرس وانتهاءً بدوائر الاستخبارات. لكن التركيز كان برسم هذه الأخيرة. موازنتها السنوية، ومن ضمنها الوكالة المركزية سي أي أيه، تبلغ حوالي ثمانين مليار دولار. ومع كل هذه الإمكانيات المالية وما توفره من قدرات وخبرات، وقعت المفاجآت الواحدة تلو الأخرى وتعذّر استشراف أعاصيرها وما تنذر به من تحولات وتغييرات صاخبة.

ثمة من يعطي الوكالة وبقية الجهات الاستخباراتية، الأسباب التخفيفية. فهي قد «نبّهت مراراً بأن هناك أنظمة عديدة في العالم مهدّدة بعدم الاستقرار»، كما يقول ريتشارد باتس، أستاذ «دراسات الحرب والسلم» في جامعة كولومبيا بنيويورك. لكنه «يتعذّر عليها تحديد السبب الدقيق، الكامن وراء مسلسل مثل هذه التطورات المؤدية إلى التغيير»؛ أو تشخيص الحدّ الذي تبدأ عنده عملية الانعطاف.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن التقصير لا يطال هذه الجهات لوحدها، بل يشمل «وزارة الخارجية والرئيس والكونغرس». الأولى «تعتمد عليها دوائر الاستخبارات لتزويدها بالمعلومات حول الحركات الاجتماعية والسياسية»؟ عن طريق السفارة الأميركية في البلد المعني، حسب ما تقول جنيفر سيمس، أستاذة العلوم الدبلوماسية بجامعة جورج تاون بواشنطن. لكن الدبلوماسية «باتت عاجزة عن جمع معلومات من هذا النوع، بحكم شح الموارد التي فرضها خفض الكونغرس لموازنتها». كذلك البيت الأبيض، ليس خارج دائرة الإخفاق. «فالاستخبارات عملية تبدأ بالقرارات السياسية التي يتخذها الرئيس. فهي منتج تطلبه الإدارة ويدفع ثمنه الكونغرس وليس مسألة تجسس سري تختار الجهات المختصة القيام به طوعاً من غير أن يطلب منها ذلك»، على حدّ تعبير فيكي ديفول، أستاذة مادة «العمل الحكومي والتطور الدستوري» في الكلية العسكرية البحرية في أنابوليس قرب العاصمة الأميركية.

الخبير الاستراتيجي المعروف والمختص بشؤون منطقتنا، أنطوني كوردسمان، من «مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية» في واشنطن؛ يلتقي إلى حدّ بعيد مع مثل هذا التشخيص.

في ردّه على سؤال حملته إليه «البيان» ؟ هل كانت الغفلة الأميركية عما شهدته المنطقة، ناتجة عن قصور استخباراتي أم عن عجز في المقاربة السياسية؟ قال: «ليس هناك حكومة أو جهة، بإمكانها أن تتوقع مثل هذه الأحداث. كان هناك من أطلق تحذيرات. لكن لا توجد حتى الآن، طريقة منهجية مقنعة يمكن الاعتماد عليها للخروج بخلاصات حاسمة في هذا الخصوص». مع ذلك حرص على التشديد بأن «العمل الاستخباري يقدّم التحليل لوضع ما ولا يصنع القرارات». وكأنه يقول ان الخلل في مكان آخر.

الاعتقاد الراجح في أوساط المختصين والمتابعين الأميركيين لأوضاع المنطقة، أن تحميل الدوائر الاستخباراتية لوحدها مسؤولية الإخفاق في الرصد؛ فيه كثير من التبسيط والاستسهال. ثمة ما هو أبعد وأعمق من ذلك. الإخفاق الأساسي يعود إلى المقاربات والسياسات الأميركية المتوارثة والحافلة بالعطب، تجاه المنطقة.

وحتى لو لم يكن هناك فشل في التوقعات، لما اختلفت الأمور من حيث محدودية القدرة الأميركية على التأثير بالتطورات التي توالت. حقيقة لا تنكرها واشنطن. وهي تنطوي على اعتراف ضمني بأن الزمن الذي كان يجري فيه التحكم بالتغيير في بعض البلدان عن طريق السي ؟ أي ؟ ايه، قد فات. دور صار يعجز حتى عن رصد مؤشرات نضوج ظروف التغيير.