الخلاف حول الموازنة الأميركية، بين الحزب الديمقراطي واليمين الجمهوري أمر مألوف. لكنه احتدامه هذه المرة يندرج في خانة الحدث غير الاعتيادي، ليس فقط لأنه يهدّد بشلّ الدولة وتعطيل العمل في كافة الوزارات والدوائر الحكومية الفيدرالية إذا تعذر التوافق على صيغة تسوية قبل الرابع من مارس المقبل ــ حيث تحتاج الحكومة آنذاك إلى تفويض جديد من الكونغرس للاستدانة من أجل مواصلة الإنفاق على مشاريعها وتسيير أعمالها ــ . بل أيضاً لأنه، وهذا هو الأهم، يدور حول توجهات وخيارات إستراتيجية تتحدّد على ضوئها أوضاع وسياسات أساسية، داخلية وخارجية، وحتى أمد بعيد. وإذ يتجلى هذا الخلاف بطابعه المالي، إلا أنه في حقيقته صراع كسر عظم سياسي بين القوى المحافظة والقوى الليبرالية. وفي أفقه القريب، هو افتتاح مبكر لمعركة انتخابية طاحنة في ‬2012 سيكون لحصيلتها الكلمة الفصل بين التوجهين.

الحزب الجمهوري ويمينه حزب «الشاي» يستخدمان الموازنة من خلال ثلاثي مالي قابل للتسويق والترويج: الحاجة إلى عصر الإنفاق وتقليص العجز في الموازنة ووضع حدّ لسقف المديونية العامة. موازنة أوباما للعام القادم ‬3,7 تريليون دولار. رقم فلكي. كذلك رقم العجز فيها: أكثر من تريليون ونصف. والدّين العام اقترب من الخط الأحمر، حيث صار يوازي إجمالي الإنتاج القومي السنوي ‬14 تريليون. ولكن وبرغم جدارة هذه المطالب، إلا أن طرحها فيه الكثير من الديماغوجية الحاجبة لأجندة مخفية. فالعجز والمديونية، كلاهما من إنتاج سياسات الحروب والانفلات المالي، التي تفاقمت على يد الجمهوريين أنفسهم. وبخاصة في عهد بوش. ثم أن صراخ اليمين حول ضرورة خفض العجز، يتجاهل موازنة البنتاغون التي تشفط خمس الإنفاق العام. وبالكاد يمرّ عليها مقص الخفض، بل أن بعض عتاة المحافظين يدعون إلى زيادة أرقام الإنفاق العسكري.

ما يسعى إليه اليمين المستشرس هذه الأيام، هو استعادة أميركا ريغان. وبنسخة أكثر تشدّداً. يريد عودة صافية إلى اقتصاد آدم سميث وميلتون فريدمان، المتحرر من أية ضوابط ناظمة للمضاربات ومانعة للتغوّل. كما يتطلع إلى تجديد العسكرة، بحيث تكون العنصر الأساسي في سياسة أميركا الخارجية ولو أن الحرب الباردة صارت من الماضي. ولبلوغ ذلك، لا بدّ من استرجاع البيت الأبيض والحيلولة دون تجديد رئاسة أوباما. المدخل لتحقيق هذا الوصول تلخّصه معركة الموازنة. التلطي بذريعة خفض الإنفاق، بزعم الحرص على انتشال أميركا من تحت عبء الديون المانعة للنمو والمؤدية بالتالي لتكبيل زعامة أميركا استهدف نسف انجازات ومكاسب اجتماعية، منها المزمن ومنها ما تحقق في عهد أوباما، على تواضعه. بدا ذلك واضحاً، في أول مشروع عصر للموازنة صوّتت عليه الأكثرية الجمهورية في مجلس النواب. كما تبدّى في مشروع من نفس النوعية، طرحه حاكم ولاية ويسكنسون الجمهوري، والذي أثار الشارع في تلك الولاية حيث تواصلت التظاهرات لعدة أيام. وكان من الملفت أن تتخللها شعارات تدعو إلى محاكاة الانتفاضة المصرية، من حيث الصمود والإصرار على الوقوف في وجه عملية الانقضاض على الحقوق المطلبية والنقابية.

التحديات الأميركية عاتية. هناك من يرى بأنها «لا تقل عن تلك التي واجهت واشنطن أثناء الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة». من البطالة وجمود الاقتصاد إلى معضلات العجز والديون، فضلاً عن نزيف الحروب. ويزيد من حدّتها أن التوافق الداخلي حولها مفقود. ملف الموازنة، كشف عمق الهوة السياسية وتعثر المعالجات. تراجعات أوباما وعودة اليمين القوية في انتخابات الكونغرس الأخيرة، سمحت لهذا الأخير بالتحكم، إلى حدّ بعيد، بالأجندة الداخلية. وهو لا يملك سوى مقصّ التقطيع في بنود الموازنة. أحد أقطابه، السناتور راند بول، من رموز حزب «الشاي»، ذهب إلى حدّ المطالبة بشطب المساعدات الخارجية، بما فيها المخصصة لإسرائيل. اقتراحه لغة جديدة غير مألوفة ولو انه بقي يتيماً وسارع حتى الجمهوريون إلى رفضه وإدانته. لكن أهميته أنه كسر المحظور وطرح الموضوع لأول مرة في الكونغرس وبهذه الصراحة.

ليس من المتوقع أن يفرض اليمين مشيئته في هذه المعركة. معركته الحقيقية عام ‬2012. لكن الواضح أن أوباما غير قادر، حتى الآن، على استعادة زمام الأمور. يصارع من أجل اللحاق بها والتقليل من زخم الردّة المندفعة بقوة والسائرة باتجاه إجراء تحولات تزيد من التأزم الداخلي والتوتر الخارجي.