مع مغادرة الحشود وكاميرات التلفزة لميدان التحرير في القاهرة، استدار الاهتمام في واشنطن شطر فصول عملية الانتقال، التي بدأت تتوالى حلقاتها. التركيز الأميركي في هذا الخصوص، مصوّب أساساً نحو المجلس العسكري، ثم إلى الحراك السياسي داخل مصر. وهو موجّه أيضاً نحو تمدّد أجواء الانتفاضة في المحيط الإقليمي، خاصة وأن الواقع يشي بأن اميركا لا تتحكم بصياغة الوضع في مصر.

تتعاطى الدوائر الأميركية الآن مع البداية الجديدة بكثير من الحذر والتساؤل وعلامات الاستفهام خلافاً لما كان عليه الأمر مع الأحداث، قبل الحادي عشر من فبراير. وينطبق ذلك على إدارة أوباما بشكل خاص، ربما لأنها اكتوت خلال فترة الغليان بنار التخبط والتذبذب في مواقفها، وتعرّضت إلى الكثير من الانتقادات، من باب أنها «تسببت بالإرباك والتشويش وساهمت في تقويض مصداقية أميركا ونفوذها» كما يقول لازلي جالب، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية المعروف.

والمحصلة أن ذلك من شأنه تقليص القدرة، من خلال ورقة المساعدات والعلاقة الجيدة مع الجيش المصري، على التأثير في عملية المخاض الجارية في مصر. مع أنه ثمة من يرى بأن تأثير واشنطن محدود وسيكون كذلك، لأنه محكوم أصلاً بالتخبط الناشئ عن محاولتها الرقص على الحبلين في آن معاً، حبل الديمقراطية وحبل علاقات الصداقة والتحالف، من غير جدّية في الاثنين. تزعم احتضان الأولى، في حالة الحراك نحوها. وتتمسك بالثانية، طالما بقي الصديق خاليا من الصداع، وهي وضعية انكشف أمرها في تونس ثم مصر. وهنا يكمن مأزق واشنطن المزمن، ولو أنه لا يلغي تأثيرها على مجرى الأحداث.

كل العيون على المجلس العسكري وقراراته وإجراءاته. يجري تمحيصها وقراءة ما بين سطورها. التقديرات، حتى اللحظة، ترجح فيها كفة الاستبشار بدوره، كجسر عبور إلزامي إلى الضفة الأخرى. يستند ذلك إلى موقف القوات المسلحة خلال أسابيع ميدان التحرير الحاسمة. كما يستند إلى حرص المجلس على تحديد السقف الزمني لفترة الانتقال، بستة أشهر، بحيث رفع بذلك من درجة الاطمئنان. لكن بالمقابل هناك محاذير، سلطت عليها الأضواء. فقد استوقف المراقبون أن «المجلس أخذ يرسم خريطة الطريق للفترة الانتقالية من دون التشاور مع قوى المعارضة». الأمر الذي يطرح التساؤلات حول مدى سلامة «مقاربته للعملية الديمقراطية». فضلاً عن أنه يعزّز الارتياب بمصداقيته لدى هذه القوى، في لحظة هو يحتاج فيها إلى المزيد من التفويض والدعم لدوره، في الشارع المصري، الذي ما عاد بالإمكان تجاهل مطالبه ووزنه. ويشار أيضاً في هذا المجال إلى أن المجلس لم يأت على ذكر قانون الطوارئ ولا على تفاصيل الدستور الجديد. وأخيراً لا آخراً، ثمة خشية من الفراغ السياسي. لاسيما إذا تعثرت العودة إلى الوضع الدستوري خلال الجدول الزمني المحدّد. كل ذلك يهدّد بمراكمة الشكوك، في وقت يحتاج فيه الوضع القائم إلى المزيد من الثقة المتبادلة. وربما زاد الطين بلّة، دخول بعض النقابات إلى الساحة، من باب التحركات المطلبية التي قد تفاقم تعقيدات الوضع وتفتح المجال نحو العودة إلى التأزم واستطراداً إلى المواجهات، التي يطل معها خطر الفوضى، وبالتالي خطر البدائل عن المسار الدستوري. وفي سياق الحديث عن المخاوف عادت المداولات الإعلامية وأيضاً تلك التي تشهدها مطابخ الرأي في واشنطن، إلى ملف حركة «الإخوان المسلمين» وتوجهاتها المرتقبة خلال العملية الانتقالية وما بعدها. وخاصة بعد أن أفردت صحف كبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، مساحة في صفحة الرأي لمقالات بقلم قيادات من الحركة، سلّطت فيها الأضواء على الخطوط العريضة لأفكارها. وبالذات التزامها الانتقال السلمي إلى ديمقراطية تناسب الواقع وقيمه. من الردود عليها ما اتسم بالتشكيك والتحذير من نواياها لــ «خطف» الوضع المستجد وتحويله إلى «نسخة» عن الثورة الإيرانية. ومنها ما دعا إلى فتح باب المشاركة أمام الحركة، بصرف النظر عن قناعاتها.

واشنطن الآن في حالة التقاط أنفاس. الإدارة تراجع حساباتها وخططها، فيما الصورة في القاهرة ما زالت قيد التكوّن. «يحتاج الأمر إلى بعض الوقت للوقوف على سير عملية الانتقال، ذلك أن كبار العسكريين المصريين لم تكن لديهم، حتى أيام قليلة ماضية، فكرة واضحة عما هو قادم»، كما يقول الخبير انطوني كوردسمان، في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن.