رغم الانشغال الكاسح بالتطورات التاريخية المتسارعة في مصر وتونس وغيرهما في المنطقة، عادت واشنطن إلى الملف الباكستاني وتحدياته المتزايدة والمحفوفة بالمخاطر الكبيرة. عدة عوامل تضافرت لتفرض هذه العودة: استمرار بل تفاقم التأزم في العلاقات مع إسلام أباد، قرب زيارة الرئيس الباكستاني علي زرداري لواشنطن، كذلك اقتراب موعد بدء تقليص حجم القوات الأميركية في أفغانستان؛ المرتبطة حربها بالوضع الباكستاني، المأزوم هو الآخر. ثم دخل مؤخراً الملف النووي الباكستاني على الخط ليزيد من درجة سخونة موضوع العلاقات وحضوره، لدى الدوائر المعنية؛ سواء في الكونغرس أو وسائل الإعلام أو مراكز الدراسات والأبحاث بواشنطن. وقد تقاطعت سائر المداولات والتقارير، التي استعرضت مختلف جوانب هذا الملف واحتمالاته؛ عند التحذير من ترك الأمور على حالها وضرورة تضييق الفجوة التي أحدثها التآكل في الثقة بين البلدين والتي أوصلت علاقتهما إلى «درجة عميقة من العطب»، كما وصفها بروس رايدال، الخبير المختص في مؤسسة بروكينغز للدراسات، في واشنطن.

العلاقة بين واشنطن وإسلام أباد، كانت وما زالت متأزمة. هي كذلك، لأنها مبنية على الاضطرار. خاصة بعد حرب أفغانستان. كلا طرفيها بحاجة إلى الآخر. لا يستغني عنه. لكن كليهما لا يقوى على أو لا يرغب في، تلبية كل أو أهم مطالب الآخر منه. الحرص متبادل على التعاون وبقاء الجسور مفتوحة. لكن المصالح والأولويات متنافرة. زيارات المسؤولين الأميركيين شبه المتوالية إلى إسلام أباد، لم تفلح في رأب الصدع. تعاملت مع المشكلات بصورة فردية. لذلك بقيت الأزمة تتجّدد وتتناسل. من الخلاف حول التعامل مع طالبان، بشقيها الأفغاني والباكستاني؛ إلى موضوع الغارات التي تقوم بها طائرات أميركية بلا طيار على الأراضي الباكستانية والتسبب بسقوط ضحايا مدنيين وما أدى إليه ذلك من احتكاكات وقطع طرق الإمدادات العسكرية الأميركية عبر الأراضي الباكستانية إلى أفغانستان؛ وانتهاء بتوقيف السلطات الباكستانية مؤخراً لدبلوماسي أميركي لديها.

وازداد التوتر في الأيام الأخيرة، بعد أن تسرّبت تقارير استخباراتية إلى الصحافة الأميركية، تتحدث عن ارتفاع ملفت في وتيرة التخصيب النووي العسكري الباكستاني.

تزعم المعلومات أن باكستان باتت على طريق احتلال «المقعد الخامس » والبعض قال «الرابع» قبل بريطانيا وفرنسا، في النادي النووي الدولي؛ من حيث حجم ترسانتها، التي ربما وصلت، حسب هذه التقديرات الأميركية؛ إلى أكثر أو أقل بقليل من مئة قنبلة ذرية. والإنتاج متواصل. أرقام، أثارت تساؤلات، على لسان خبراء ومرجعيات أميركية؛ تحمل على تحريك المخاوف من إمكان «سرقة» هذه المواد النووية والبلوتونيوم، «من الداخل» كما على تحريك الضغوط الدولية باتجاه إسلام أباد ومطالبتها بشرح الدوافع التي تحملها على تضخيم ترسانتها النووية؛ في وقت تتجه الجهود نحو خفض ترسانات الكبار، كما حصل في «ستارت» الأخيرة.

بموازاة ذلك، يجري التحرك في واشنطن على أكثر من صعيد، باتجاه العمل على ترميم العلاقات الأميركية مع باكستان. في الكونغرس، طرح مشروع لتقديم مساعدات طويلة الأجل لباكستان، بقيمة ‬7,5 مليارات دولار؛ على أن تكون مصوّبة نحو المشاريع المدنية. «المراهنة على العسكريين وتجاهل مطالب الناس، لا يخدم المصالح الأميركية» كما تقول مصادر لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. هذه لغة جديدة في واشنطن.

ربما أوحت بها الأحداث الأخيرة. محاولة لتعزيز مقبولية وصورة واشنطن، لدى الشارع الباكستاني. كذلك برزت دعوات «لبناء علاقات تحالف طويل الأمد» مع إسلام أباد، على قاعدة تجاوب واشنطن مع مطالب باكستانية أساسية مثل « التعامل مع النووي الباكستاني من باب التسليم بمشروعيته» ؛واعتماد «موقف أميركي مستقل تجاه قضية كشمير ». مثل هذا التطور يمكنه «تغيير ديناميكية العلاقة » بين البلدين، كما ترى الباحثة والمؤلفة كريستين فير.

لم يعد سرّاً في واشنطن أن العلاقة في واقعها الراهن، مشحونة بكثير من عوامل التوتر المفتوح على المزيد منها. فتح الملف النووي، دليل آخر على ذلك.

لكن التهويل بهذا الأخير يقابله التلويح بخطوات من الصنف الناعم. الاهتمام ينصب الآن على ضمان النجاح لزيارة الرئيس زرداري لواشنطن والزيارة التي يزمع الرئيس اوباما القيام بها لاحقاً إلى إسلام أباد. غير أن ذلك لن يزيد عن إدارة أزمة محكومة بالاستمرار طالما «لا توجد هناك مصالح استراتيجية مشتركة» بين الحليفين اللدودين، حسب تعبير فير.