من أكثر ما حرص الرئيس أوباما على تأكيده، بعد دخوله البيت الأبيض، كان أن مقاربته للشرق الأوسط وقضاياه، تختلف عن تلك التي اعتمدها سلفه بوش. بل هي على نقيضها. بدل سياسة العصا والحروب، طرح سياسة اليد الممدودة والحوار.
وبدل العمل على فرض الديمقراطية في بلدان المنطقة، نادى بترك هذا الخيار لأصحابه، بحيث يتدبرون أمره بالطرق التي تناسبهم. وقد شدّد على ذلك في خطابه الشهير بالقاهرة يوم 4 يونيو 2009. «لا يجوز ولا يمكن فرض أي نظام حكم أو أي حكومة على بلد، من قبل بلد آخر»، كما قال آنذاك. تحدث عن قيم الحرية وحقوق الإنسان، التي تعهد بدعمها في كل مكان. كلامه لقي بالغ الترحيب. خاصة وأنه جاء على خلفية حرب العراق المدمرة التي افتعلها بوش بذرائع واهية، من بينها زرع الديمقراطية في أرض الرافدين.
بعد انفجار الأوضاع، أخيرا، في تونس وساحات عربية أخرى، اتسمت ردود فعل واشنطن الأولى بالتذبذب. بدت وكأنها تلهث وراء التطورات. حرصت على إبقاء الخطوط مفتوحة، في كل الاتجاهات. في البداية، تراوحت المواقف بين التفهم الحذر والنقد الخجول. لكن بالنهاية ومع تفاقم الأحداث في مصر، دخلت الإدارة الأميركية على الخط بصورة مباشرة، من خلال خطاب يتماشى مع المناخ الراجحة كفته. ركيزته، أن الولايات المتحدة تدعم «حقوق الشعب في حرية التعبير والتجمع السلمي وفي تمكينه من تقرير مصيره، على اعتبار أنها حقوق بشرية شاملة»، على حدّ ما قاله الرئيس أوباما في كلمته المتلفزة، قبل حوالي أسبوع . كلام جدير بالترحيب، من حيث المبدأ، بصرف النظر عن الحسابات السياسية والاعتبارات الجيوسياسية، التي حكمته. لكن مشكلته أنه معطوب عملياً، من ثلاث نواح.
أولاً هو جاء كردّ فعل على ما حدث. الوقوف مع هذه الحقوق، يفقد مصداقيته ويصير جزءا من اللعبة السياسية، عندما لا يظهر له أثر إلا بعد أن تنفجر الأوضاع. يصبح محاولة استدراك، تمليها الحسابات والعلاقات، أكثر منه تعبير تضامني. وبهذا فهو عابر وقابل للتجاهل والتراجع عنه، إذا ما استدعت التطورات ذلك.
ثانياً، أن الحرص على المصلحة الإسرائيلية كان حاضراً، أكثر من غيره، في معظم التعاطي الأميركي، الرسمي والإعلامي والتحليلي، مع الوضع المتفجر في المنطقة. وكأن الدولة العبرية معنية مباشرة، أو لا بدّ أن تكون معنية، بالمخاض الجاري، بحيث تؤخذ الاعتبارات التي تخصها في الحسبان، عند صياغة واشنطن لمواقفها . بالأحرى، تغليب هذه الاعتبارات. فنادراً ما خلا تعليق أو تحليل أو حتى تغطية، من التوقف عند المحطة الإسرائيلية. سواء من الناحية الأمنية أم من ناحية اتفاقيات السلام المعقودة معها ورسم علامات التخوف والاستفهام بشأنها. أمن إسرائيل ومراعاة شروطها، له الأولوية في كل تحرك يتعلق بالمنطقة.
ثالثاً، الازدواجية والاستنساب، المعششان من زمان، في المقاربات والسياسات الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط. وهنا يكمن العطب الأساسي، في موقف الإدارة من الأزمة الراهنة. فما بدا، أنه انحياز أميركي لصالح الديمقراطية والإصلاح وحقوق الشعوب «في تقرير مصيرها» .
كما زعم الرئيس أوباما، تنكشف حقيقته وأغراضه الفعلية عندما يقارن بتعاطي واشنطن مع حقوق أخرى مزمنة وأشدّ إلحاحاً، مثل حقوق الشعب الفلسطيني المصادرة كلياً من قبل إسرائيل. لا يستقيم الادعاء بالحرص هنا، في حين جرى وما زال يجري التنكر لهذا الأمر هناك. التضارب ينسف مصداقية هذا الزعم. واشنطن لم تسكت وتتغاضى فقط على انتهاكات إسرائيل وعدوانيتها المزمنة، بل أيضاً تراجعت ورضخت لشروطها وتعنتها، في قضية فرعية مثل موضوع المستوطنات. رفعت العلم الأبيض أمام نتنياهو وسحبت طلب وقف البناء وطوت الموضوع.
كذلك لا يستقيم الزعم الذي يتردد هذه الأيام في واشنطن، بأن على الولايات المتحدة «أن يكون مكانها في الصفحات الإيجابية من التاريخ «، بالنسبة لأحداث اللحظة الراهنة، فيما يتم صرف النظر كلياً عن تصنيف موقفها عندما يتعلق الأمر بحقوق أخرى، فقط لأن إسرائيل هي التي تمعن في سلبها منذ ستين سنة !
كما لم ولن يصح زرع الديمقراطية من خلال الدبابة، كما أكدت ذلك التجربة العراقية، فإنه أيضاً لا يصحّ أن تكون بضاعة موسمية. ولا بالتأكيد انتقائية. واشنطن عدّلت خطابها وزعمت أنها تقف إلى جانب حركة الشعوب ومطالبها الإنسانية. لكنها لن تقوى على تسويقه في المنطقة، حتى لو عنت ما تقول خدمة لمصالحها، طالما بقيت تعامل إسرائيل كاستثناء من القاعدة.
