كان واضحاً، من كل ما أحاطت به بكين زيارة رئيسها لواشنطن ومن ترحيبها البالغ بما تحقق، على تواضعه، بأن الغرض الأساسي كان انتزاع تسليم أميركي واسع وراسخ؛ بأن الصين باتت قوة صاعدة من الحجم الذي يستحق التعامل مع صاحبه كندّ. ولو أن الفجوة بينه وبين القوة العظمى ما زالت واسعة. لكنه مع ذلك، يحتل المقعد رقم اثنين، في التراتب الدولي. كما كان واضحاً، قبل وصول جينتاو إلى واشنطن وخلال زيارته وما رافقها من حفاوة وتراجع في حدّة الخطاب؛ أن إدارة أوباما تتجه نحو اعتماد مقاربة مختلفة إزاء الصين باعتبارها باتت، بحكم الأمر الواقع، شريكة دولية؛ بصورة أو بأخرى. بحدود الغرض الصيني، حققت الزيارة قفزة ملحوظة. ولو طغت فيها الرمزية على الجوهر. فاليوم لم تعد مرتبة الصين موضع شك أو جدل في الساحة الأميركية. كما هناك تسليم أميركي عريض، يشمل كافة ألوان الطيف السياسي بمن فيهم المحافظين؛ بأن العلاقات الأميركية مع الصين لها أهمية خاصة، بل فريدة. خاصة على الصعيدين المالي والتجاري. رغم الشكوى من الخلل فيها. كما هناك شبه إجماع بأن الصين ليست في خانة العدو. وإن ليست في منزلة الصديق. والرأي العام الأميركي يقف بنسبة ‬65٪ ، حسب آخر استطلاع، مع تطوير العلاقات معها. حتى الكونغرس، المعروف بلغته الساخنة تجاه الصين، تراجعت حدّة خطابه عموماً.

 

جدول أعمال خالي الوفاض

ولا توجد على جدول أعماله الراهن، أي مشاريع قوانين موجهة ضدّ بكين. الإدارة من جهتها، خففت خلال الزيارة، من اللعب بالأوراق التي تثير حساسيات صينية. مثل موضوع « حقوق الإنسان ». والرئيس أوباما دعا إلى « علاقات تقوم على الشراكة في التعاون المبني على الاحترام والمنفعة المتبادلين».

جاء الرئيس جينتاو على خلفية علاقة مأزومة، مع واشنطن. إدارة أوباما، سبق ووافقت قبل أشهر على صفقة سلاح كبيرة لتايوان. صفقة كانت بمثابة صفعة لبكين. وعام ‬2009 أتى واشنطن في ظلّ علاقات فاترة، للمشاركة في قمة أوباما للأمن النووي. وعام ‬2006 قام بزيارة مخيبة لواشنطن، تعمّد الرئيس بوش خلالها، التعامل معه بصورة بروتوكولية منقوصة وغير لائقة. لكن هذه المرة أتى من موقع قوة. فهو يمثل اليوم، ثاني اقتصاد في العالم. علاقات بكين الدولية باتت أكبر وأوسع. قروضها للخارج تفوق قروض البنك الدولي. علاقات التبادل التجاري مع الصين لم يعد لواشنطن غنى عنها. صارت في حدود ‬500 مليار دولار سنوياً. الوفد الصيني أجرى، أثناء الزيارة، حزمة عقود مع شركات أميركية بقيمة ‬45 مليار دولار. سبقته وواكبته حملة علاقات عامة، لتلميع الصورة الصينية. انعكس نجاحها في زحمة اللقاءات العديدة التي عقدها الرئيس ووفده مع مختلف الأوساط والفعاليات السياسية والاقتصادية. في المقابل، واشنطن غارقة في الديون والحروب. لم تخرج بعد من أزمتها المالية. معادلة وفرت للصين فرصة لترميم علاقاتها مع واشنطن، بصورة متوازنة. تعرف أنه لا بدّ من ثمن. لكن ما وعدت به، تركت توقيت تنفيذه بيدها، مع الاشتراط أن يتم في إطار التعاون والشراكة. الرئيس جينتاو أوحى بالاستعداد لإعادة النظر بالمطالب الأميركية. وبالتحديد موضوع رفع قيمة العملة الصينية ؟ اليوان - ، بحيث لا تبقى المنتجات الصينية كاسحة للأسواق المحلية والأجنبية. التوقعات، أن بكين تتجه نحو تحقيق مثل هذا التصحيح في غضون سنة.

 

مكاسب إستراتيجية

واشنطن أمام واقع عنيد. الاقتصاد الصيني يحقق، بصعوده الصاروخي، مكاسب إستراتيجية. استعصى عليها احتواءه. لا تقوى على الدخول بحرب تجارية مع بكين. الشركات الأميركية، في الداخل وفي الصين؛ تتأذى. واقتصادها يتعثر أكثر. تعرف أن خياراتها محدودة. ما تقوم به الصين من جذب لفرص العمل والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية، وبالذات الأميركية؛ لا يتضارب مع قواعد اقتصاد السوق. خفضها لقيمة عملتها لا يتناقض مع قواعد منظمة التجارة العالمية. والصين ليست وراء أزمات أميركا. ثم أنها عامل ضبط، في شبه الجزيرة الكورية. خيار التعاون معها، إجباري. ونفسه هذا الخيار، حاجة للصين، التي تدرك أن التأزم مع أميركا مكلف لها، اقتصاديا واستراتيجياً. معادلة التقت معها الحاجة المتبادلة للجانبين، إلى صيغة تحت اسم الشراكة؛ التي ليست أكثر من صيغة لتعايش الأضداد. لا واشنطن مرتاحة لها ولا بكين مكتفية بها.