صادف، أخيرا، حلول الذكرى الخمسين للخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور في 17/1/1961، والذي حذّر فيه من خطورة النفوذ المتنامي لأخطبوط المجمع العسكري الأميركي. تزامنت المناسبة، مع احتدام الجدل في واشنطن حول كلفة التسلّح وحجمه ونوعيته ومدى لزوميته. المصادفة أعطت شحنة من الزخم للنقاش الدائر مؤخراً في هذا الخصوص، بحكم اقتراب موعد طرح الموازنة الجديدة ورفعها إلى الكونغرس. والمعلوم أن حصّة البنتاغون منها تضاعفت بعد الحرب الباردة. كان يفترض العكس. كبرت في العقد الأخير وحده، 68. نفقات 2010 الدفاعية والأمنية قاربت 700 مليار دولار. المغامرات العسكرية في الخارج وهواجس الهيمنة، جعلت أرقامها فلكية.
وكان يمكن أن تبقى على هذا الانفلات لولا ضغوط الموازنة المخنوقة بالعجز. الواقع المالي الصعب فرض الخفض في كافة القطاعات، بما فيها الدفاع. تحت هذا الضغط، طرحت إدارة اوباما خفضها بمقدار 78مليار دولار؛ موزعة على خمس سنوات. بمقياس مخصصاته من الموازنة العامة، هو مبلغ رمزي: حوالي 15 مليار سنوياً من أصل حوالي 560 مليارا؛ من دون كلفة الحرب في العراق وأفغانستان. بالرغم من تواضع الرقم وهزالته، قامت قيامة القوى التي لا ترى العلاقة مع العالم إلاّ من زاوية الحروب والمواجهات. صوتها يمثل أو يلتقي مع؛ مصالح المجمع الصناعي العسكري الأميركي، التي تشكل مشتريات البنتاغون؛ أنبوب الأوكسجين الرئيسي، لجسمه الضخم . نفوذ شركاته الكبرى، مثل « لوكهيد ؟ مارتن» ، أكبر مصنّع عسكري في العالم، مزمن في البنتاغون والكونغرس خصوصاً. وهو يعمل، من جهة لضمان تسمين فاتورة مبيعاته السنوية لوزارة الدفاع ؟ فاتورة لوكهيد حوالي 29 مليار دولار ؟.
ومن جهة ثانية للتأثير في صياغة قرارات السياسة الخارجية. دوره السياسي، أخذ المزيد من الزخم مع إدارة ريغان، التي أطلقت أكبر عملية بناء عسكري في زمن السلم. ومع إدارة بوش الابن دخلت هذه الشركات على خط المشاركة في تعيينات كبار المسئولين وصنّاع القرار في الإدارة؛ أو في رسم سياساتها. بروس جاكسون، مدير إحدى جماعات الصقور والعامل مع إحدى شركات السلاح، « كان من أكبر مهندسي غزو العراق « كما يقول وليام هارتونغ، مؤلف كتاب « رسل الحرب والمجمع الصناعي العسكري » الذي صدر قبل أيام. كما يسمي عدد من المفاتيح التي جرى تعيينهم في مواقع مفصلية، بناء على رغبة « لوكهيد ». كما ذكر أن زوجة تشيني كانت عضو مجلس إدارة في هذه الشركة بين 1994 و2001. وهناك مؤلفات وكتب صدرت في الآونة الأخيرة، تتحدث عن برامج أسلحة كانت الشركات وراء تمريرها، مثل شبكة الدفاع الصاروخي التي « دفع بها الوزير رامسفيلد والتي كانت لوكهيد الثقل الرئيسي وراءها»، كما جاء في كتاب برادلي غراهام «اضرب لتقتل».
قبل نصف قرن وبعد حوالي عقد ونصف من الحرب العالمية الثانية، حذر ايزنهاور، من تغوّل صناعة السلاح الأميركية وشركاتها. عرف مبكراً، من موقعه العسكري ثم الرئاسي، أن «صناعة تسليح دائم بمثل هذه المقادير الهائلة، محكومة بالسعي لكسب نفوذ واسع لدى أصحاب القرار»، على ما قال في خطابه الوداعي. يومذاك أثار تحذيره ضجة واعتراضات واسعة، من جانب القوى المحافظة؛ بذريعة أن الاتحاد السوفييتي يسارع الخطى في تسلحه وأنه بات على قاب قوسين أو أدنى من امتلاك قدرة موازية للقوة العسكرية الأميركية. ضخّموا الصعود السوفييتي، في حينه؛ لتبرير الإنفاق. رفعوا شعار التفوق بأي ثمن، « لضمان الأمن الكامل لأميركا» ضد الخطر الشيوعي. ومع أنه « ليس هناك أمن تام»، كما ردّ ايزنهاور، إلاّ أن الإنفاق بقي يتضخم ويكبر بوتيرة خيالية.
نفس السيناريو يتكرر اليوم؛ في وجه محاولة خجولة، لترشيد أرقام المصاريف العسكرية الفلكية.أصوات الدوائر المحافظة تعزف نغمة التهويل والتخويف إياها. فقط تغيّر البعبع. بدل السوفييت، صارت الصين وكوريا الشمالية وإيران و.. الزعم، أن أي تقليص لحجم القوة العسكرية أو أي شطب لبرامج عسكرية؛ يهدّد الأمن القومي. مع أن القدرات العسكرية الأميركية الراهنة، « مذهلة» على حدّ تعبير الخبير غوردن أدامس. هذا عدا جيل أسلحة الليزر والموجات الكهرو ؟ مغناطيسية، التي يقوم البنتاغون بتطويرها؛لسلاحي الجو والبحرية.
ذكرى هذا الخطاب، كان لها حضورها في واشنطن. لكن بعد خمسين سنة، بقي التحذير حبراً على ورق. كيف لا وللبناء العسكري الأميركي مجمعان بدل الواحد. مجمّع التصنيع ومجمّع الترويج في الكونغرس ومواقع القرار.
