أن تكشف الصين عن آخر منتجات صناعتها الحربية الحديثة والمتطورة وبصورة مبكرة، فذلك بحدّ ذاته حدث. برامجها العسكرية بقيت دوماً طي الكتمان والسرّية. وأن يحصل ذلك عشية وصول الرئيس الصيني إلى واشنطن، في زيارة رسمية مهمة، فذلك يزيد من أهمية هذا الكشف، باعتباره رسالة أمنية «تايوانية» مسبقة إلى إدارة أوباما. الأوساط الأميركية المعنية، تعاملت مع المعلومات التي تعمدت بكين تسريبها، من زاوية اعتبارها تطورا يدعو إلى «القلق». وتعمدّت هي الأخرى تضخيمه. خاصة الدوائر المحافظة. من جهة، للتأكيد على ضرورة استمرار الحضور العسكري الأميركي في المنطقة. وبالتحديد في المنطقة البحرية الفاصلة بين البرّ الصيني وبين جزيرة تايوان. ومن جهة ثانية، لتبرير التوجهات الداعية لتحديث الترسانة الأميركية وعدم المس بموازنة البنتاغون.

لعبة العض على الأصابع بين الجانبين، تعود إلى فجر العلاقة الحديثة التي دشنتها زيارة الرئيس نيكسون الشهيرة إلى بكين. منذ ذلك الحين وحتى اللحظة، بقيت باستمرار سريعة العطب. نقطة القوة فيها، أن كليهما بحاجة إلى الآخر. وهذا أمر تجمع عليه مختلف القوى والدوائر الأميركية. ولو أنها تريد علاقات مفصّلة على القياسات الأميركية. لا تضع الصين في كفة الاتحاد السوفييتي السابق. الجانب الرخو في العلاقات، أنها كانت وما زالت مسكونة بالارتياب المتبادل. صفقة السلاح لتايوان، التي وافقت عليها إدارة أوباما العام الماضي، زادت الطين بلّة. ولأن المصالح المباشرة كبيرة ولها طابع استراتيجي، حرص الطرفان، وبخاصة الصين، على تحييدها. ردّ بكين على الصفقة التي اعتبرتها استفزازية، تراوح بين المشاكسة في قضايا المناخ ومؤتمر كوبنهاغن، وبين رفض إدانة كوريا الشمالية ومنع صدور قرار من مجلس الأمن بهذا المعنى، على اثر العمليات العسكرية التي قامت بها بيونغ يانغ ضد كوريا الجنوبية. اكتفت بلجم حليفتها الشمالية.

مع اقتراب قمة جينتاو ـ أوباما في واشنطن، تعود بكين إلى الملف الأساسي: تايوان. والعودة هذه المرة تأتي من بوابة عرض العضلات. وحصل ذلك، خلافاً للعادة، من خلال منشورات ومطبوعات صينية، رسمية وعلمية، نقلت معلومات وصور عن رزمة من الأسلحة البحرية والجوية العالية التكنولوجيا والتي بلغت مرحلة متقدمة من تصنيعها. وبعضها ربما دخل الميدان. وقد استحوذ هذا التطور على اهتمام ملحوظ في واشنطن. خاصة بعد أن صدرت تعليقات عسكرية حوله. قائد القؤات البحرية في المحيط الهادئ، الأدميرال روبرت ويلرد، يقول ان منظومة الصواريخ الصينية البعيدة المدى والمضادة للبوارج الحربية، قد «بلغت مستوى القدرة التشغيلية الأولية». يعني ذلك، حسب الخبراء، أن هذا السلاح «المصمم أصلاً لاستهداف القطع البحرية الأميركية، بات الآن في حوزة الوحدات العسكرية الصينية المختصة، لاستخدامه إذا ما نشب نزاع في المنطقة». ويضيف هؤلاء أن الملفت في هذا التطور، أنه تحقق «بسرعة غير متوقعة». والذي فاجأ المعنيين أكثر، أن التقرير السنوي الذي يصدره البنتاغون عن الوضع العسكري الصيني، غابت عنه أية إشارة حول احتمال امتلاك بكين لهذا السلاح، في العام الحالي. بالإضافة إلى ذلك، كشفت مواقع انترنت صينية عن صورة لطائرة مقاتلة، يعتقد أنها من طراز الشبح، الذي يستعصي على الرادارات العادية رصده والتقاط مساره. وكان تردّد سابقاً أن الصين تقوم بتصنيع مقاتلة. لكن لم يعلن عنها بهذه الصورة. كما ذكرت تقارير بأن حاملة الطائرات الصينية الجديدة والأولى «شي لانغ»، سيجري تدشينها «على الأرجح» خلال العام الحالي، وليس في وقت لاحق، كما سبق وراجت التوقعات.

الإعلان عن وجبة السلاح البحري هذه، تريد بكين منه التوكيد على ما تراه حقها في تحديد مجال مياهها الإقليمية بمدى مئتي ميل وليس ‬12 ميلاً فقط وفق القانون الدولي. يعني ذلك جعل مسافة المئة ميل الفاصلة بين اليابسة الصينية والجزيرة، سالكة وخالية من الوجود البحري الأميركي الرادع. وإذا كانت واشنطن تدرك حدود القوة الصينية الراهنة، إلاّ أنها أيضا تدرك مدى قدرات بكين. وهذا ما تخشاه أوساط أميركية، لم تخف قلقها من الصعود الصيني الباهر. وبالذات في مجال التحديث العسكري، على تواضعه النسبي الحالي. بل ثمة في واشنطن من يخشى من أن تكون الصين عازمة، عند اللحظة المواتية، على استخدام ترسانتها المتطورة بسرعة ملحوظة، في نزاعات قابلة للانفجار. وفي آخر المطاف، تايوان ليست خارج القائمة.