فرضت أزمة الديون الأوروبية حضورها المتزايد، في الآونة الأخيرة، على المشهد الأميركي. الترابط الاقتصادي والمالي بين ضفتي الأطلسي، يملي الاهتمام بها. خاصة وأن المشكلة تزحف وتكبر وتهدّد بتوسّع دائرتها. بل تهدّد بتداعيات تتجاوز الساحتين، حسب تحذيرات المراجع والجهات المختصة، إذا بقيت على مسارها الراهن. وثمة من بدأ يدق ناقوس الخطر.

التعاطي الأميركي معها، بشكل عام، بقي وما زال يميل إلى التشاؤم. في أحسن أحواله، يتراوح بين تقديم النصائح «بضرورة تدبير الأوروبيين لشؤون بيتهم» وبين تسجيل الانتقادات ومحاولات التشخيص للأزمة ومخارجها الممكنة. من المآخذ، أن الأوروبيين وضعوا من البداية، العربة أمام الحصان. أطلقوا العملة الموحدة، قبل وضع آليات الضبط وصمامات الأمان، في مكانها. ف

كان أن وقعت أخطاء مدمرة. أخطرها كان، انفلات الموازنات وما رافقه من رعونة في الاقتراض والإنفاق. وعندما وقع الزلزال المالي، أواخر ‬2008؛ بدأ الانكشاف يشق طريقه. الدول، بعد اليونان، التي بدأ يحوم فوقها شبح العجز عن سداد ديونها؛ سارعت إلى النفي والتطمين وأحياناً المكابرة. اسبانيا، أيرلندا، البرتغال. لكن الحقائق على الأرض أقوى. اليوم الحلقة باتت أوسع. الشبهات تدور حول الباقين. وفي بعض التقديرات، أن الموجة قد لا تستثني حتى الدول المقتدرة مثل فرنسا وغيرها. إذا كرّت سبّحة الدومينو، فلن توفر أحداً في طريقها. الإصلاحات التي اتخذتها دول اليورو في مجالات الإنفاق والتنسيق المصرفي وخاصة إنشاء صندوق الدعم بتريليون يورو، جاءت متأخرة، في اعتقاد معظم الخبراء والمختصين. وبكل حال غير كافية. والدليل، أنها كلها مطروحة للتطوير، لكن من غير إجماع حولها. خاصة حول مطلب إدامة الصندوق بعد انتهاء مدته عام ‬2013. كما حول تعزيز الصلاحيات المالية للاتحاد، الخاصة بالضرائب ومعدلات الإنفاق.

إدارة الرئيس أوباما، تردّد مصادرها بأنه لا يجوز ترك أي بلد في الاتحاد الأوروبي، يصل إلى حالة العجز عن سداد التزاماته المالية. لكن إذا كانت العين بصيرة فاليد قصيرة. ثم أنه من الصعب، إن لم يكن من شبه المستحيل، على أوباما حمل الكونغرس الجديد على تقديم الدعم والقروض لتعويم البلدان الأوروبية، الواقعة تحت عبء المديونية الثقيل. فهذا الأخير قادم على حصان قصقصة الإنفاق والاقتراض العام، في الداخل. فكيف بالنسبة للخارج. حتى ولو كانت أوروبا هي المعنية. بل بالضبط لأن مشروع السوبر ؟ دولة والسوبر اقتصاد،الأوروبي هو المعني. فاليمين الأميركي يكاد ينعي اليورو ووحدة منطقته. وأحيانا ينعي الاتحاد الأوروبي نفسه. بعض رموزه تبشّر وبكثير من التشفي والارتياح؛ بمثل هذه النهاية. حيثيات قراءته قد تكون لها جدارتها الموضوعية. فالأزمة الأوروبية فعلاً «حقيقية». وعلى الأرجح أن فصولها لم تتكشف كلها بعد. كما لا شك بأن علّة اليورو، في وضعه الراهن، تكمن في «عدم واقعيته» باعتباره «عملة من غير حكومة». وبالتالي من غير قرار واحد. وربما يكون قد وصل فعلاً إلى مفترق طرق. وثمة من يرى بان أمامه فترة سنتين لا أكثر لتحصينه وتعزيز منظومته؛ وإلا انتهى إلى التخلي عنه. أو في أحسن الأحوال، إلى إخراج الدول الضعيفة من منطقته. ففي ظلّ المعادلة الراهنة «لن يقوى اليورو على النجاة وقد لا ينجو على الإطلاق». فهو مرشح ليصبح «جزءا من الماضي»، على حدّ تعبير الجمهوري باتريك بيوكانن.

هذا التشخيص واحتمالاته، ليس حكراً على المحافظين. جهات وأوساط أميركية أخرى مختلفة، تعتمده. فأزمة اليورو معقدة والمعالجات تتطلب تغييرات وإصلاحات حاسمة، لا تبدو الساحة الأوروبية أنها جاهزة لاعتمادها. دولها الغنية، لا تبدو مستعدة لتحمّل كلفة أو مخاطر المديونية المترتبة على الدول الأضعف، في المنظومة. مأزق يثير مخاوف متزايدة. لكن ليس لدى اليمين الأميركي، الذي لا يخفي ارتياحه لمثل هذا الانسداد؛ على أمل أن يؤدي في نهاية المطاف إلى سقوط اليورو والعودة إلى العملات الوطنية الأوروبية. أحد رموزهم، جون بولتون، قالها صراحة: هم يحاولون خلق بديل للدولار، كعملة احتياط دولي؛ كما خلق قطب غربي ــ الاتحاد الأوروبي ــ آخر. ونحن بالمقابل أحرار في ترك اليورو ينتهي إلى الفشل وبلوغ حتفه».

اليمين الأميركي المحافظ لا يطيق أصلاً المشروع الأوروبي الموحد؛ بشقيه الاقتصادي والسياسي. كان وما زال يرى فيه المنافس الجدّي والمرشح الأقوى لافتتاح عصر عالم متعدد القطبية. واليوم يتعامل مع أزمة اليورو وكأنه مستعجل لإعلان وفاة المشروع الأوروبي، ولو ترتبت على ذلك مضاعفات قد يكتوي العالم كله بنارها.