بعدما كان حظّ تصديق مجلس الشيوخ عليها، قبل نهاية العام، شبه معدوم؛ عادت الحياة فجأة إلى «ستارت» وتمّ تمريرها بأغلبية كاسحة. تضافرت ضغوط واعتبارات استراتيجية وحسابات سياسية، لتنقلها إلى حيّز التنفيذ ؟ بعد موافقة «الدوما» الروسي عليها، المتوقعة في أوائل يناير ؟. وبذلك تكتمل الولادة الثانية، بعد حوالي عقدين من الأولى، لمعاهدة خفض الترسانة النووية؛ في روسيا وأميركا.
بحدّ ذاته، الخفض متواضع. صحيح أنه يمثل ثلث الرؤوس النووية الجاهزة، لديهما. وهي نسبة ملحوظة. لكن المتبقي منها، يكفي لتحويل الكرة الأرضية إلى حطام ورماد. مع ذلك، هبوط عدد الرؤوس العابرة التي يحق لكلا الطرفين نشرها؛ من 2200 إلى 1550؛ ليس بالقليل. كما نزول عدد منصّات الإطلاق، البرية والبحرية والجوية، من 1600 إلى 700؛ له أهميته الرمزية، على الأقل. ويتكفل نظام للرقابة الميدانية المتبادلة، بضبط الالتزام بمنطوق المعاهدة. استمرار وضع نووي بين الكبيرين، على هذه الصورة ولمدة عشر سنوات، حسب المعاهدة؛ تطور له انعكاساته الإيجابية على الوضع الدولي برمته. وبالذات على محاولات تفكيك أزماته النووية والأمنية الملتهبة.
لكن هذا الانجاز، على محدوديته، ليس من غير فجوات. ولا من دون مخاطر تهدده. فيه نواقص وغموض. منها، إهمال موضوع الرؤوس الفائضة المطلوب التخلي عنها وعدم تحديد مصيرها. تدميرها، ينسجم مع روحية المعاهدة. لكن هذه الأخيرة خلت من أي نصّ ملزم في هذا الخصوص. وبذلك، فالرؤوس المسحوبة ستعود إلى المستودعات. احتفاظها بجاهزيتها للاستخدام، لا يزيل خطرها وبالتالي شرّها. عطب، يضعف مصداقية الخفض. في أحسن الحالات، يتركه موضع ارتياب. كما يعكس قدراً من بقايا هشاشة الثقة؛ المعششة في واشنطن وموسكو. ثم هناك النص الغامض بشأن موضوع شبكات الدروع الصاروخية، المضادة للصواريخ. واشنطن أصرت على نصّ ضبابي لا يمنعها من تطوير مثل هذه الشبكات ونشرها. عدم الوضوح، أثار اعتراضات المحافظين في مجلس الشيوخ. الرئيس أوباما تعهّد، بكتاب خطي، أن يمضي في بناء ونصب هذه المنظومات، من غير تحديد المواقع. ولو أن أوروبا ستكون إحدى ساحاتها. الموقف الروسي يهدّد بأن أي اقترب من حدودها، يجعلها بحلّ من المعاهدة والتزاماتها. الخطر، أن الكونغرس الجديد، الذي يتسلم مهامه الأسبوع القادم؛ مزدحم بالرؤوس الحامية. خاصة من عناصر «حزب الشاي»، الذي ينظر إلى العلاقات بعين الحرب الباردة والذي لو جرى ترحيل المعاهدة لحين قدومه، لما أجاز تصديقها. خطابه، من شأنه رفع منسوب التوتر من جديد مع روسيا. خاصة إذا لم يواجهه أوباما برفض حاسم. الشكوك، في هذا الشأن قائمة؛ في ضوء التراجعات التي أقدم عليها الرئيس أمام المحافظين.
ثم هناك خطر مزدوج، يتمثل في تمرير معاهدتين نوويتين أخريين، واحدة مجمّدة منذ أكثر من عقد من الزمن والثانية يقترب طرحها. الأولى، معاهدة منع إجراء التجارب النووية التي أنجزت عام 1996 والتي وقّعت عليها 165 دولة، بما فيها أميركا. 44 من بينها، تملك أسلحة أو مفاعلات نووية. دخلت المعاهدة حيّز التنفيذ بعد أن صادقت مؤسسات 33 منها، عليها. الولايات المتحدة كانت من بين الدول التي رفض مجلس الشيوخ فيها التصديق عليها، حين عرضتها عليه إدارة الرئيس كلينتون عام 1999. إدارة الرئيس بوش الابن، رفضت عرضها على المجلس. الذريعة كانت أن أميركا ملتزمة طوعاً، منذ 1992 بعدم إجراء تجارب. الرسالة الضمنية كانت، أن الولايات المتحدة لا يلزمها ما يلزم الآخرين. لكن هذه القاعدة، مضى عليها الزمن. ثم أن الرئيس أوباما له مقاربة مختلفة ويعتزم طرحها على المجلس. بالأحرى عليه طرحها، وإلا لا تستوي دعوته إلى الخفض ومنع الانتشار؛ ناهيك بشعاره الداعي إلى عالم يخلو من بلاء النووي. ثم هناك التفاوض المتوقع مع الروس، حول الأسلحة النووية القصيرة المدى. لن يكون التصديق سهلاً، على أي منهما بوجود التركيبة الجديدة في المجلس؛ التي تحول دون تأمين غالبية الثلثين المطلوبة. فاليمين القادم بزخم إلى الساحة، لا يرى فائدة، ليس فقط في هذه المعاهدة؛ بل في كافة المعاهدات والتدابير النووية، الجديد منها والقديم. بدلاً منها، هو يدعو إلى التركيز على الدروع الواقية وتطويرها. ولا يخفى أن مثل هذه الشبكات، على مشروعيتها، تلغي توازن الرعب وتضمن التفوق، عبر تعطيل قوة الآخر. عودة إلى طرح ريغان، لكن بتكنولوجيا متقدمة؛ قد تؤجج أجواء الحرب الباردة من جديد. إلا إذا حفزت الآخرين على مجاراتها، بحيث يحصل سباق في تعطيل التسلح، هذه المرة.
