بعد سنة من قراره بزيادة حجم القوات العسكرية في أفغانستان، وجد الرئيس أوباما نفسه أمام وضع أقرب إلى المأزق منه إلى المخرج الواعد. مراجعة إدارته لحصيلة الفترة، تكشف أن حساب الحقل جاء غير حساب البيدر. كانت مراهنته، أن زجّ ثلاثين ألف جندي إضافي في الميدان، نزولاً عند طلب العسكريين من شأنه تغيير المعادلة على الأرض، بما يسمح له بالجزم لناحية تنفيذ وعده، بأن تبدأ عملية الانسحاب بحلول منتصف العام المقبل، أي عشية افتتاح حملة انتخابات الرئاسة. والآن، وفي ضوء الشق غير السري من المراجعة وما تسرّب منها يبدو تحقيق مثل هذا الهدف المتواضع مشكوكا بأمره. في أحسن حالاته، معلّق. بل تبدو الاستراتيجية برمتها والتي تحدّد سقفها بعام ‬2014، في مهب الريح. نجاحها مرهون بتوفر شروط، ما زالت مستعصية منذ تسع سنوات. أهمها، دور باكستاني مطلوب، تزمع إدارة أوباما رفع وتيرة ضغوطها على إسلام أباد لحملها على القيام به. الأمر الذي ترجّح التوقعات أن يؤدّي إلى المزيد من التأزم بين الجانبين.

 

غموض وتأويل

في تقديمه للمراجعة، تعمّد الرئيس أوباما الغموض والصياغة القابلة للتأويل. نأى عن لغة الالتزام، بالرغم من الحديث عن مكاسب ميدانية في الجنوب ومن تنويه وزير الدفاع، روبرت غيتس، بــ«نجاح» الخطة. إستراتيجيته « تعمل على خلق الشروط الملائمة، لمباشرة تقليص مسؤول للقوات في يوليو ‬2011»، كما قال. أثارت ضبابية كلامه علامات استفهام وشكوكا كبيرة، في واشنطن. لاسيما وأنه حرص على تصنيف «التقدم» الذي تحقق، في خانة التطور «السريع العطب» المعرّض للانتكاس. وازداد الارتياب بعدما تسربت معلومات، عن طريق الكونغرس، تكشف عن وجود تباين بين القيادات العسكرية وبين دوائر الاستخبارات في تقييمهما للوضع. الثانية لا تشارك الأولى تفاؤلها ولو المتحفظ. واشنطن الرسمية مقسومة. وهكذا هو الحال في أوساط المراقبين والمحللين، الذين شاركوا في ندوات كثيرة، عقدتها مراكز دراسات وأبحاث مختلفة في واشنطن، خلال الأيام الأخيرة بشأن الملف الأفغاني. السؤال المحوري في المداولات الجارية، كان وما زال: إلى أي مدى يمكن تكريس الواقع الميداني وترجمته إلى واقع سياسي قابل للصمود والاستمرار وبما يسمح فعلاً بتهيئة المخرج ولو بصورة تدريجية تنتهي مع عام ‬2014؟ الردود على هذا السؤال غامضة غموض مراجعة الإدارة. فهذا، بنظر الأميركيين مرتبط بأمرين أساسيين: الوضع الحكومي في كابول وموقف باكستان. وبالتحديد مؤسستها العسكرية. الأول ثمة ما يشبه النقمة عليه. الحديث عنه في واشنطن، يندرج تحت عنوان الفساد والمحسوبية. وكأن الاحتلال ليس مسؤولاً عن مثل هذا الحالة، إذا كانت قائمة. أما بخصوص إسلام أباد، فهناك حالة غضب عليها. فهي موضع تهمة بأنها لا توفر الملاذ فقط لطالبان، بل تقدّم لها الدعم. تطارد طالبان الباكستانية، داخل حدودها وليس طالبان الأفغانية. التسريبات من المراجعة، تفيد بأن القوات الأميركية ستعطي الضوء الأخضر لرفع ضغوطها من زاويتين: تكثيف طلعات وضربات الطائرات بلا طيار، فوق الأراضي الباكستانية والتوغل داخل هذه الأخيرة في عمليات خاصة لمطاردة عناصر طالبان والقاعدة. خطوات تصعيدية، تدفع قوى أميركية مختلفة باتجاهها. خاصة في أوساط اليمين والمحافظين. الإدارة اعتمدتها بضغط من حساباتها السياسية. والسوابق تقول إن مثل ذلك ليس سوى وصفة لزيادة التوتر مع باكستان. الشكوك مزمنة بينهما. آخر تعبيراتها، القصف الذي تعرض له حاجز عسكري باكستاني على الحدود وأدّى إلى سقوط ضحايا من بين عناصره ورد إسلام أباد على الحادثة بقطع طريق الإمدادات اللوجستية للقوات الأميركية في أفغانستان. وقبل أيام أخذ التوتر شحنة جديدة، عندما قامت واشنطن بتسفير مسؤول السي ــ أي ــ أيه في إسلام أباد على وجه السرعة، بعد الكشف عن اسمه. تردّد في واشنطن أن الجهات الأمنية الباكستانية كشفته. الأرضية باتت قابلة أكثر فأكثر لزيادة التأزيم.

 

مأزق خروج

المراجعة الموعودة، جاءت دون ما أريد لها أن تكون. أوباما يدرك أن الحرب في مأزق. وهو أيضا، كذلك. حزبه يطالبه بالإسراع في الانسحاب. خصمه الجمهوري يطالبه بالمزيد من التعويل على الحل العسكري. الشعب الأميركي يرى بأغلبية ‬60٪ أن هذه الحرب لا تستحق خوضها. العلاقة مع كابول مأزومة. ومع باكستان مهدّدة بالمزيد من التوتر. وربما بأزمة كبيرة. العودة إلى خيار التفاوض، يبدو أنه لا بديل عنه للخروج من هذه المعادلة الخطيرة.