المقاتلون الأجانب تهديد أمني يؤرّق العالم

لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

سلّطت قرية الباغوز في سوريا الضوء على خطر المقاتلين الأجانب العابرين للحدود على الآمن العالمي خلال الفترة المقبلة، نظراً لعدم اليقين حول أعداد المقاتلين الأجانب الذين انضموا لتنظيم داعش في سوريا والعراق منذ 2012، فما حقيقة المقاتلين الأجانب؟ وما الجبهات التي يمكن أن يتوجهوا إليها؟ وكيف سيتعامل العالم مع هؤلاء؟ وهل من خيارات مبدعة خارج الصندوق لوقف هذه الأخطار؟ وماذا عن كتائب «الفرانكفونية»، و«الخنساء» و«أشبال الخلافة»؟

لا شك أن فترة تدخّل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان عام 1979 كانت البداية الحقيقية لفكرة انتقال المقاتلين عبر الحدود لمحاربة السوفييت، وبعد خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان عام 1989 أفتى أسامة بن لادن باستمرار عمل المقاتلين الأجانب «الأفغان العرب» للقتال في جبهات أخرى مثل ألبانيا وكوسوفو والشيشان، والقيام بعمليات إرهابية طالت غالبية الدول العربية والإسلامية، لكن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003 شكل رافعة قوية لانتقال المقاتلين الأجانب من دولهم، ففي 2004 أسس أبو مصعب الزرقاوي القادم من الأردن قاعدة «الجهاد في بلاد الرافدين»، لكن عدد المقاتلين الأجانب الذين عملوا معه لم يتجاوزوا العشرات، وفي 2010 قُتل أبو أيوب المصري الذي خلف الزرقاوي، ومن بعده قتل أبو عمر المهاجر (مصر)، وتولى قيادة التنظيم العراقي أبو بكر البغدادي الذي أعلن في 9 مايو 2013 عن اندماج ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق»، وفرع القاعدة في سوريا «جبهة النصرة» لتشكيل ما أسماه «الدولة الإسلامية في العراق والشام».

ودعا البغدادي كل الذين يؤمنون بأفكاره الإرهابية في كل دول العالم لـ «الهجرة» إلى دولة «الخلافة» المزعومة في سوريا والعراق تحت ستار أنه يطبق الشريعة الإسلامية في الأراضي التي يسيطر عليها. وأطلق البغدادي على الدواعش من أبناء سوريا والعراق، «الأنصار»، فيما وصف القادمين من الخارج بـ«المهاجرين».

النفايات البشرية

طرح الكثيرون خلال الأعوام الماضية سؤالاً حول الجهة التي تقف وراء ظاهرة المقاتلين الأجانب، ومن يوفر لهم الأموال والدعم اللوجستي والانتقال عبر المطارات والموانئ بسهولة، وتحت أعين المخابرات الدولية، وما مصالح تلك الدول، وكانت الإجابة تدور حول ثلاثة دوافع من الجهات التي وقفت وراء ظاهرة انتقال المقاتلين عبر الحدود:

أولاً: التخلص من هؤلاء الإرهابيين على اعتبار أنهم «نفايات بشرية» يشكل وجودهم في الدول الغربية تحدياً أمنياً خطيراً، كما أن القوانين الأوروبية لا تسمح للحكومات هناك بالتخلص بسهولة من المتطرفين، وبالتالي الطريقة المثلى هي السماح لهؤلاء المتطرفين بالذهاب إلى ساحات القتال العالمية والتخلص منهم من دون أي تكلفة أمنية أو سياسية، وهذا ما أكده صامويل لوران مؤلف كتاب القاعدة في فرنسا.

ثانيًا: أن يتحول هؤلاء من خلال التدريب إلى مقاتلين محترفين، ويمكن توظيفهم في الصراع الدولي بين القوى الكبرى، فالمستفيد الأول من «العرب الأفغان» كان الولايات المتحدة التي سقط عدوها الاتحاد السوفيتي من دون رصاصة واحدة أو إرسال جنود أمريكيين إلى أفغانستان.

ثالثاً: اعتبار هؤلاء المقاتلين الأجانب «أداة تقسيم وتفتيت» للمجتمعات، وبخاصة في منطقة المشرق العربي، فغالبية الكتب التي كتبها برنارد لويس تتحدث عن الأديان والقبائل وخلفياتهم المذهبية والدينية لدق الأسافين السياسية بين المكونات الاجتماعية والدينية والقبلية في المنطقة العربية، كما أن المشروع التكفيري لتنظيم داعش تتوافق خطوطه الجغرافية مع «حدود الدم» التي تحدث عنها واضعو خرائط تقسيم الشرق الأوسط أمثال رالف بيترز، ويبنون، والتي كانت تهدف لـ «هولوكوست عربي» من خلال تفعيل نظرية «الفناء من الداخل».

وشكل عام 2014 أكبر موجات تدفق المقاتلين الأجانب على سوريا والعراق، خاصة بعد أن استولى «داعش» في 4 يناير 2014 على مدينة الفلوجة العراقية، و14 يناير من العام نفسه على مدينة الرقة السورية، وفي 10 يونيو 2014 احتل التنظيم ثاني أكبر مدينة في العراق، وهي الموصل.

الشيشان والقوقاز

«نذهب إلى سوريا قبل أن تأتي سوريا إلى روسيا».. هكذا وصف أحد مسؤولي المخابرات الروسية خطر المقاتلين من الشيشان ومناطق القوقاز إذا ما عادوا إلى روسيا، وهذا سبب رئيس ضمن أسباب أخرى دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لإرسال قواته إلى سوريا في 30 سبتمبر 2015، فوفق المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات فإن أكثر من 4900 شيشاني وقوقازي ذهبوا للقتال ضمن صفوف الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق.

وظهر المقاتلون الشيشان في سوريا بشكل واضح في عام 2012، حيث كانوا عبارة عن مجموعات متفرقة في التنظيمات المتشددة، وبخاصة «داعش» و«جبهة النصرة»، إلى أن جاء منتصف يونيو 2012، عندما أعلن سيف الله الشيشاني تشكيل كتيبة جديدة تضم المقاتلين الشيشان بعد انشقاقهم عن «النصرة» و«داعش»، وبذلك تم تجميع القوقازيين في كتيبة واحدة بمجموع 800 مقاتل من أصل 1000 كانوا موزعين على المجموعات الأخرى في ذلك العام، ليضاف على العدد نحو 400 قتيل شيشاني عام 2013، وتضاعف هذا العدد في عامي 2014 و2015، وتزامن وصول الشيشانيين إلى سوريا مع إحباط قوات الأمن الروسية عبور 20 إرهابياً من روسيا إلى داغستان، فيما عرف بـ«واقعة لوبوتا» نسبة إلى المضيق الذي حدثت فيه المواجهات، ووصفت تلك المعركة بأنها آخر محاولة من جانب المسلّحين لتنشيط التمرد الإقليمي في شمال القوقاز، واتضح ذلك التغيير في سلوك المتمردين أنفسهم، حيث ذكر أحدهم أن ما أسماه «الجهاد» في «شمال القوقاز» صار أصعب بكثير من الحرب في سوريا.

الكتيبة الفرانكفونية

أطلق اسم الكتيبة الفرانكفونية على المقاتلين الأجانب من البلاد الناطقة بالفرنسية، خاصة من فرنسا وبلجيكا وسويسرا، إضافة إلى تونس والجزائر والمغرب.

ووفق معلومات نشرها الإعلامي الفرنسي ديفيد تومسون، مؤلف كتاب «الجهاديون الفرنسيون»، فإن الإرهابيين من فرنسا وبلجيكا لم يعرفوا الحديث باللغة العربية، لذلك أنشئت الكتيبة الفرانكفونية، وكان الهدف أن يتمكن الجميع على الجبهة من فهم الأوامر، لا سيما أن التنظيم تكبد خسائر بسبب عدم قدرة البعض على فهم اللغة، وكانت هناك أيضاً كتيبة فرنسية في «جبهة النصرة»، وتشير الأرقام إلى وجود أكثر من 3600 إرهابي من فرنسا انضموا لـ «داعش» و«القاعدة».

المقاتلون الصينيون

بدأ تدفق المقاتلين الصينيين إلى سوريا عام 2011، وعمل هؤلاء تحت لواء «حزب تركستان الإسلامي»، ولا يتحدث الكثيرون منهم العربية، والتحق بعضهم بفرع تنظيم القاعدة في سوريا، فيما أعلن آخرون الولاء لتنظيم داعش، في حين اختار عدد قليل منهم الانضمام إلى جماعة «أحرار الشام».

وطبقاً لدراسة أعدها مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، فإن عدد المقاتلين الصينيين في سوريا يقدر بنحو 5000 مقاتل، وبحساب أفراد عائلاتهم يصل العدد إلى نحو 20 ألفاً، وتخشى الصين من عودة هؤلاء وتنسق مع مسؤولين سوريين للحيلولة دون ذلك.

مساران للعودة

تتفق معظم الدول الأوروبية على مسارين يمكن العمل بهما بشكل منفصل أو الجمع بينهما للتعامل مع ظاهرة «العائدون من ساحات القتال»، وهما:

1- منع عودة المقاتلين الأجانب ومحاولة التخلص منهم أو دفعهم لساحات القتال العالمية الجديدة سواء في ليبيا أو جنوب الفلبين، إضافة لأفغانستان وجنوب شرق آسيا.

ويرى هؤلاء خطورة في العائدين من «داعش»، لأنهم لُقنوا أصول حرب العصابات، بما في ذلك كيفية صنع عبوات ناسفة، ويزرعون الألغام، فضلاً عن تقنيات القتال والاستطلاع، كما أن المقاتلين العائدين إلى أوطانهم يحملون معهم لائحة طويلة من الأشخاص الذين تعرّفوا إليهم من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يتيح لهم توسيع شبكاتهم أكثر فأكثر من أجل مواصلة القتال. ويشك أصحاب هذا المسار أن يتوب أو يتراجع من يحمل فكرة أيديولوجية قائمة على القتل والترهيب.

2- دمج من لفظ الفكر المتطرف، فكثير من الدول الأوروبية ترى إمكانية خلق بيئة جديدة لأطفال «داعش» حتى لا يسيروا على درب القتل والذبح الذي انتهجه التنظيم.

ويرى أنصار هذا المسار أن عودة المتشددين ومحاكمتهم، ومحاولة دمجهم أفضل من تركهم بعيداً عن عيون الحكومات الغربية، كما يراهن أصحاب هذا الفريق أن جزءاً كبيراً من العائدين من سوريا والعراق تأكدوا من كذب ما تسمى بدولة الخلافة، وشاهدوا الصراع الدموي بين الفصائل الإرهابية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات