مأساة الروهينغا.. تطهير عرقي أمام أنظار العالم

معاناة مستمرة للروهينغا في ظل الصمت الدولي | أرشيفية

تُعتبر الروهينغا مأساة متواصلة لشعب ذنبه الوحيد أنه مسلم، حيث تجدهم مضطهدين ومُحاربين من السلطة الحاكمة في ميانمار، ورغم الصدى الإعلامي الذي أخذته مشاهد المجازر والاضطهاد الذي تلقاه الأقلية المسلمة في ميانمار، التي لقيت استياء من العديد من الأطراف الدولية، إلا أن العالم لم يحرك ساكناً إزاء هذه الجرائم ماعدا بيانات التنديد، فالمجتمع الدولي سيكون على محك الثقة والمصداقية، عندما نرى جرائم الإبادة الجماعية تزداد يوماً بعد آخر في أحقادها ووحشيتها، من دون تدخل لإيقافها ومحاسبة المتورطين فيها.

اليوم نشاهد المجازر الدامية المبكية ولم يتحرك المجتمع الدولي بخطوة فعلية جادة واحدة لإعلان هذا العدوان إرهاباً وتصنيف المعتدي في قائمة الإرهابيين، فالخطوات المطلوبة واقعياً وعملياً حالياً هي التعامل مع الجرائم ضد الإنسانية بجدية، والخروج بصيغة سياسية تمنع تكرار هذا التمييز العنيف، وتوفير المساعدات الإنسانية والإغاثية للاجئين، بما يشمل مساعدة بنغلاديش، ومن ثم عودة اللاجئين إلى أراضيهم، والاعتراف بروهينغا كأقلية رسمية في ميانمار.

حقوق الإنسان

واقتربت المقاربة الأمريكية من الادعاءات التي تقدمها سلطات ميانمار بأنها تحارب الإرهاب والمجموعات المسلحة، رغم أن الشواهد الكثيرة تفيد بأن الأمر مرتبط بتطهير عرقي ممنهج.

فيما سعت لإعطاء أولوية للتنمية الاقتصادية على حساب حقوق الإنسان. وتأخذ القضية بعداً إقليمياً خصوصاً بعدما رفضت كل من الصين وروسيا أكثر من مرة مشروع قرار في الأمم المتحدة لفرض عقوبات على جيش ميانمار.

300 مليون دولار

وقال أبو الكلام عبد المؤمن وزير الشؤون الخارجية في بنغلاديش في تصريح خص به «البيان» إن بلاده تنفق 300 مليون دولار شهريًا لاستضافة لاجئي الروهينغا، مشيراً إلى أن قضية هذه الأقلية ستبقى قضية ذات أولوية بالنسبة للحكومة، مشدداً على أهمية أن يكون هناك التزام لجميع الدول المجاورة للمساعدة في الاستقرار الإقليمي.

وأشار إلى أن أكثر من 745،000 من مسلمي الروهينغا عبر الحدود إلى جنوب شرق بنغلاديش، مشيراً إلى أن بلاده لن تتحمل الأعباء لوحدها فهناك 192 دولة أخرى في العالم، يجب أن تستضيف عدداً من مسلمي الروهينغا، مشيراً إلى أن بلاده أبلغت مجلس الأمن بأنها لن تكون بعد الآن في وضع يسمح لها باستيعاب مزيد من الأشخاص من ميانمار.

واتهم ميانمار بإصدار وعود جوفاء واتباع عدد من الأساليب المعرقلة (لعودة اللاجئين) خلال المفاوضات بشأن العودة.

بشاعة إنسانية

في الأثناء، أوضح السفير أحمد سرير مستشار الأمين العام لمنظمة مجلس التعاون الخليجي في تصريح خص به «البيان» أن ما يعيشه الروهينغا من مجازر ينتظر تقييماً فإنه على سلم البشاعة الإنسانية الأول بلا منازع، داعياً المجتمع الدولي لاتخاذ كل التدابير والإجراءات اللازمة؛ لإنهاء مأساة مسلمي الروهينغا في ميانمار؛ بوصفها تشكل مأزقاً بالغاً للضمير الإنساني، واختباراً صعباً لفعالية ومصداقية النظام الدولي.

مشيراً إلى أن أعمال اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في أبوظبي، وقف على حجم المأساة التي يعيشها اللاجئون الروهينغا في ظروف إنسانية صعبة، وقدم الشكر لجمهورية بنغلاديش على توفير المقومات الأساسية والمأوى، فيما طالب حكومة ميانمار بالقيام بمسؤولياتها الكاملة تجاه اللاجئين الروهينغا؛ لضمان عودتهم إلى وطنهم، وتوفير الحماية وسبل العيش الكريم لهم، دون تمييز أو اضطهاد بسبب الدين أو العرق.

وأشار الى زيارة وفد من منظمة التعاون الإسلامي العام الماضي لمخيمات اللاجئين الروهينغا في كوكس بازار في بنغلاديش.

وأكد أنه على الرغم من الطلبات المتكررة التي تقدمت بها الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بالمنظمة، لم تسمح سلطات ميانمار بالقيام بزيارة لتقصي الحقائق بشأن أوضاع حقوق الإنسان التي يعيشها مسلمو الروهينغا في ولاية راخين، وفي غياب رد إيجابي من حكومة ميانمار قررت الهيئة زيارة مخيم اللاجئين الروهينغا في كوكس بازار بنغلاديش والحصول من مصادر مباشرة على معلومات عن حالات انتهاك حقوق الإنسان التي يتعرضون لها في ميانمار، حيث باشر وزراء خارجية الدول الإسلامية حملة لحشد الدعم الدولي للتحرك ضد ميانمار بسبب أزمة لاجئي الروهينغا.

وشدد على أنه لا يمكن أن يكون هناك أي عذر لتأخير عملية البحث عن حلول كريمة تسمح للناس بالعودة إلى مناطقهم الأصلية بأمان وكرامة، بما يتماشى مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان.

نداء

وقال مسؤولو عدد من الدول على هامش اجتماع وزراء دول التعاون الإسلامي في أبو ظبي أن الوضع في أراكان مخز للعالم أجمع بحكوماته ومؤسساته، فالآلاف يقتلون ويشردون ولا بواكي لهم. ووجه نداء وسط أسى عميق يجتاح العالم مما يجري لهؤلاء الذين ليس لهم من ذنب سوى أنهم ينتمون لعقيدة الإسلام، وطالبوا بوقف هذه الأعمال الوحشية في ميانمار فوراً، ودعوا السلطات الحكومية لوقف هذه المجازر البشعة، وناشدوا ضمائر الحكومات والمنظمات الدولية للتفاعل مع ما يجري مع مسلمي الروهينغا، ونبذ الصمت المطبق أمام ما يتعرضون له من قتل وتعذيب وتشريد، مع رفض السلطات منحهم حق التواجد في بلادهم التي نشأوا فيها.

وأضافوا «من المعلوم أن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، هما جريمتان من الجرائم الأربع التي تختص بها المحكمة الجنائية الدولية، ويقصد بالإبادة الجماعية ما حددته المادة: 6 من النظام الأساسي للمحكمة أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو دينية بصفتها هذه هلاكاً كلياً أو جزئياً: قتل أفراد الجماعة، إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بهم»، أما الجرائم ضد الإنسانية فيقصد بها وفق ما حددته المادة: 7 «أي فعل من الأفعال التالية متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي، موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين: القتل العمد، الإبادة، الاسترقاق، إبعاد السكان أو النقل القسري لهم، السجن، التعذيب».

وأكدوا أن إعادة التوطين إلى جانب حرية التنقل، ووضع حد للفصل والتمييز، مع التنمية الشاملة وإعادة إرساء سيادة القانون والسلامة العامة تمثل أمورًا ضرورية، مشيرين إلى ان التعاون الدولي الفعال سيكون حاسمًا لضمان أن تكون آليات المساءلة ذات مصداقية وشفافة لضمان امتثال ميانمار لالتزاماتها .

وأوضح عدد من المسؤولين أن الاستعمار الانجليزي للبلاد ترك بصماته التقسيمية فيها مع سياسة تحريض مكوّناتها الدينية ضد بعضها البعض وكان من نتيجتها في عام 1942 مجزرة بوذية بحق المسلمين ذهب ضحيتها مئة ألف مسلم من أبناء أراكان، لتستمر المجازر في السنوات التالية ضمن مخطط تهجير المسلمين.

تهم

وتواجه الحكومة الميانمارية تهماً عديدة منها ارتكاب جرائم حرب من قتل وتشريد وحرق للقرى ومحاصرة السكان ومنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، بل إن بعض الجرائم ترتقي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، لاسيّما استخدام مروحيات وآليات لإبادة المدنيين وقذفهم بالصواريخ، مثلما هناك اتهامات بقيام السلطات أو غضّها الطرف عن عمليات إبادة جماعية تعرّض لها المسلمون في ميانمار وهو ما يحاسب عليه القانون الدولي.

خدعة

رغم إعلان الحكومة الميانمارية مشروع تسجيل أبناء عرقية الروهينغا في إقليم راخين بأراكان، شككت منظمات روهنغية في نوايا الحكومة وقصة منحهم بطاقات خضراء تزعم أنها تهدف إلى تصحيح أوضاعهم القانونية.

ويكمن المكر في مشروع البطاقات، حيث إن الاستمارة التي توزع على الروهنغيين تطلب منهم الإجابة عن أسئلة تنتزع منهم إقراراً بأنهم أجانب، مثل البلد الأصلي وتاريخ الوصول إلى ميانمار ووسيلة النقل، وهي معلومات تطلب عادة من الأجانب عند وصولهم نقاط العبور للدول. مما دفع بمنظمات الروهينغا إلى دعوة الناس في الإقليم إلى عدم ملء الاستمارات، كونها لا تعدو خدعة.

تجريد الروهينغا من الهوية وحرمانهم من وطنهم

الروهينغا أقلية تعيش غرب ميانمار ويلغ تعدادها حوالي 1.3، أي أنها تشكل أقل من 10 في المئة من السكان، وتسكن إقليم راخين (أرخان سابقا) وهو موطن أقلية أخرى هي «راخين».

يتحدث مسلمو الروهينغا اللغة الروهينغية، وهي تختلف عن باقي اللغات المُستخدمة في ولاية راخين ومختلف أنحاء ميانمار، ولا يتم اعتبار الروهينغا من بين الجماعات العِرقية الرسمية في البلاد، فقد حُرِموا من الحصول على مواطنة ميانمار منذ عام 1982، الأمر الذي جعلهم عديمي الجنسية.

ويعيش معظم الروهينغا في ميانمار في ولاية راخين الواقعة على الساحل الغربي للبلاد، ولا يُسمَح لهم بالمغادرة دون إذنٍ من الحكومة، وهي واحدة من أفقر الولايات في البلاد، وتشبه مخيماتها الغيتو، وتعاني من نقص الخدمات والفرص الأساسية.

وبسبب العنف والاضطهاد المستمرين، فرَّ مئات الآلاف من الروهينغا إلى البلدان المجاورة، إما براً أو بحراً، على مدار عقود عديدة، وأما من بقي في ميانمار، فيواجهون السخرة، وليس لديهم الحق في امتلاك الأراضي، وتُفرض عليهم قيود شديدة.

عاش المسلمون في المنطقة المعروفة الآن باسم ميانمار منذ أوائل القرن الثاني عشر، وفقاً لكثيرٍ من المؤرخين وأعضاء جماعات الروهينغا، وكلمة أراكان هي إشارة إلى المنطقة المعروفة الآن باسم راخين، ويسود اعتقاد بأنهم أسلاف تجار مسلمين استقروا في المنطقة منذ أكثر من 1000 عام.

أكاذيب

بالمقابل دأبت الحكومات المتعاقبة في ميانمار - ومنها ذات الشعارات الإصلاحية في السنوات القليلة الماضية - على القول إن مسلمي الروهينغا ليسوا جماعة عرقية فعلياً، وأنهم في واقع الأمر مهاجرون بنغال يعتبرون بمثابة أحد آثار عهد الاستعمار المثيرة للخلاف، ونتيجة لهذا لا يدرجهم دستور ميانمار ضمن جماعات السكان الأصليين الذين من حقهم الحصول على المواطنة.

تجريد من الهوية

وفي عام 1974، جُرّد الروهينغا من هويتهم، وصنفتهم الدولة «أجانب»، وقد أدى ذلك إلى فرار أعداد كبيرة منهم إلى البلدان المجاورة هربا من العنف الذي يبدو أن هذا التشريع يبرره. وفي عام 1982، سن قانون المواطنة ليس فقط لاستبعاد الروهينغا من الحصول على الجنسية فحسب، بل وحرمانهم من الحق بالعيش في الدولة ما لم يكن لديهم دليل دامغ يظهر أن أجدادهم عاشوا في هذا البلد قبل الاستقلال، وعلى الرغم من ذلك فإن وثائق الجنسية لمعظم المجتمعات يستحيل الحصول عليها.

وترتب على هذا القانون حرمان مسلمي الروهينغا من تملك العقارات وممارسة أعمال التجارة، وتقلد الوظائف بالجيش والهيئات الحكومية، كما حرموا من حق التصويت في الانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات وممارسة الأنشطة السياسية.

وفرضت الحكومات المتعاقبة في ميانمار ضرائب باهظة على المسلمين، ومنعتهم من مواصلة التعليم العالي، إضافة إلى تكبيلهم بقيود تحد من تنقلهم وسفرهم وحتى زواجهم، كما أشارت تقارير إلى أن السلطات قامت عام 1988 بإنشاء «القرى النموذجية» في شمالي أراكان حتى يتسنّى تشجيع أُسَر البوذيين على الاستيطان في هذه المناطق بدلاً من المسلمين. وفي عام 2002 تعرضت هذه الأقلية إلى إبادة جماعية من جيش ميانمار.

ورغم اعتراف الأمم المتحدة بالانتهاكات التي تتعرض لها أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار، واعتبارها من أكثر الأقليات التي تتعرض للظلم في العالم اليوم، فقد بقيت مواقف المنظمة الدولية اتجاه المسؤولين عن الانتهاكات والمظالم التي يتعرض لها الروهينغا في المستوى النظري ولم تتطور إلى إجراءات تساهم في وقف تلك الانتهاكات.

وقد تراوحت مواقف الأمم المتحدة اتجاه ما تتعرض له أقلية الروهينغا بين إدانة الانتهاكات ومطالبة مجلس الأمن باتخاذ قرارات بشأنهم، دون أن يسفر ذلك عن نتائج عملية ملموسة حتى الآن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات