نزاع العمائم.. أزمة سياسية في طهران.. من يخلف خامنئي؟

تُثير خلافة المرشد الإيراني، علي خامنئي (صاحب الـ 80 عاماً)، سجالاً سياسياً في إيران، التي احتفلت قبل أيام بالذكرى الأربعين لما يسمى بـ«الثورة الإيرانية»، ذلك السجال الذي كشف عن أزمة سياسية مرتقبة تلوح في الأفق هناك، يعزّزه تقدّم خامنئي في السن إضافة إلى ظروف مرضه، فضلاً عن رحيل المُرشح الأقوى لخلافته محمود الهاشمي الشاهرودي، قبل نهاية العام الماضي، كما تُسَّعره أيضاً الظروف الداخلية والخارجية، التي يقع نظام الملالي تحت وطأتها، في فترة تشهد جُملة من الأزمات التي تلف مصير نظام الملالي وتضفي هالة من الغموض حوله.

رحيل الشاهرودي أسفر عن جُملة من السيناريوهات المختلفة حول منصب «القائد»، في خطٍ متوازٍ مع صراع بين جناحي المحافظين والإصلاحيين ما أبرز عدداً من الأسماء المُرشحة لخلافة خامنئي. صحيح أن عقبات تواجه كلاً منهم، لكن ثمة حظوظ متفاوتة لكل منهم في ضوء ما يتمتعون به من سمات قد تعطي أياً منهم الأفضلية دون الآخر وفق حسابات متعددة.

يفصل في ذلك مجلس خبراء القيادة الإيرانية المنوط به مهمة اختيار «القائد» أو عزله رسمياً، كما يبزغ كذلك دور الحرس الثوري وما يُسمى بـ«الدولة العميقة»، كما يمكن هنا الإشارة لـ «قوى دولية وأطراف صاحبة مصلحة خاصة» قد تلعب دوراً فاعلاً في تحديد هوية المرشحين لخلافة خامنئي، وسط سيناريوهات مفتوحة، يحمل كل سيناريو منها نُذر تداعيات مختلفة تؤثر قطعاً على مستقبل النظام في إيران، لكن وبشكل عام، فإن الباحثة المقيمة لدى معهد آرابيا، جينيف عبدو، تحدثت مؤخراً في مقال لها عبر مجلة «ناشونال إنترست»، عن أن من سيخلف خامنئي أياً كان هو «لن يكون مثل خامئني.. من المحتمل أن تحكم إيران شخصية دينية أخرى أقل نفوذاً وأكثر تبعية للحرس الثوري».

آلية الاختيار

آلية اختيار «القائد» حددها الدستور الإيراني ونص على أن «ولاية الأمر وإمامة الأمة بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر والشجاع القادر على الإدارة والتدبير».

يتحدث الدستور الإيراني عن سيناريو «التوافق» من جانب مجلس خبراء القيادة، على تعيين شخصية بعينها «قائداً»، بينما إلى جانب سيناريو «التوافق» ثمة سيناريوهات أخرى يفرزها التطبيق العملي للنص الدستوري الحاكم لآليات اختيار القائد العام للثورة، كانت تلك السيناريوهات حاضرة في المرّة الوحيدة التي تم اختيار القائد فيها بعد رحيل الخميني، وأسفرت في النهاية عن اختيار المجلس لعلي خامنئي مرشداً، أهمها سيناريو تعيين مجلس ثلاثي يضم (رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية ورئيس مجلس خبراء القيادة).

أبرز المرشحين

كان أبرز الأسماء المرشحة لخلافة المرشد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام محمود الهاشمي الشاهرودي، الذي تولى عدداً من المناصب رفيعة المستوى في وقت سابق أهمها رئاسته للسلطة القضائية في الفترة من يونيو 1999 حتى يونيو 2009، لكنّه توفي في 28 ديسمبر الماضي، ما ترك الساحة أمام سيناريوهات وأسماء مختلفة.

تبزغ في ذلك الإطار ثلاثة أسماء اتفق عليها مراقبون ومحللون للشؤون الإيرانية، بعضهم أضاف أسماء أخرى، لكن ظل هذا الثالوث عنصراً رئيسياً في بورصة المرشحين المحتملين، وهم (رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني، ورجل الدين والقضاء إبراهيم رئيسي، وعضو مجلس خبراء القيادة مصباح يزدي) ويضيف إليهم البعض الرئيس حسن روحاني على رغم الكثير من العقبات التي تواجهه في ذلك الصدد. كما يضيف البعض اسم مجتبى خامنئي، وهو النجل الثاني للمرشد الحالي.

«اختيار من سيخلف المرشد هذه المرة يتم في أجواء صعبة للغاية سواء داخلياً أو خارجياً، ليس على الصعيد الاقتصادي والسياسي فحسب ولكن على المستوى الديني، ذلك أن هناك صراعاً لم يعد خفياً بين رجال الدين والحوزات، بخاصة أن أغلب ما يسمى برجال الثورة الإيرانية رحلوا»، كما يقول الباحث في الشؤون الإيرانية محمد علاء الدين، لـ«البيان» من القاهرة.

ويرى علاء الدين ثلاثة أسماء، الأول رئيس القضاء صادق لاريجاني، الرئيس الحالي للسلطة القضائية، والعضو بمجلس الخبراء وصيانة الدستور، وهو من الجناح المتشدد ومعادٍ بقوة للغرب، وعلاقته مع الحرس الثوري ضاربة في الجذور.

ويُمكن هنا الإضافة لحديث علاء الدين ما يتردد في الأوساط الإيرانية وما يمكن اعتباره معضلة تواجه لاريجاني- وهو أحد أفراد واحدة من الأسر القوية في إيران والتي لها حضور ملحوظ بمؤسسات الدولة- بخصوص شبهات فساد تلاحق أسرته، واتهامات بالتربح، لكنها لم تثبت بشكل رسمي أو يفتح تحقيق بخصوصها.

وبالعودة لحديث علاء الدين، فإن المرشح الثاني ضمن القائمة التي حددها وتضم ثلاثة مرشحين اعتبرهم الأوفر حظاً لخلافة خامنئي، هو المرشح السابق للرئاسة إبراهيم رئيسي، إذ يسيطر على «أستان قدس رضوي»، وهي «أغنى مؤسسة دينية في البلاد في مدينة مشهد، ولديه علاقات قوية مع الحرس الثوري وعميقة، لكنه خسر أمام حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية قد يكون لها (الخسارة) دور في اندثار شعبيته».

ويُمكن إضافة الخلفية الدينية الأقل مقارنة بالمرشحين المنافسين ضمن الأمور التي قد تمثل عقبات في طريق رئيسي لخلافة خامنئي، علاوة على أن خسارته بالانتخابات الرئاسية هي صك فشل شعبي يواجهه. والثالث - في تصور علاء الدين- هو الرئيس الحالي حسن روحاني الذي ينتمي إلى المجمع الديني الإيراني برتبة حجة الإسلام.

مجلس خبراء القيادة يمتلك صلاحيات كبرى، ذلك أنه يتولى انتخاب المرشد وصولاً إلى إمكان عزله وانتخاب بديل عنه، وفي حالة وفاته أو استقالته أو عزله، فإن الخبراء مكلفون فوراً بانتخاب مرشد جديد، ومن هنا تعتبر علاقة روحاني غير الجيدة - مقارنة بمنافسيه - مع المجلس من ضمن عوامل ضعف فرصه.

فرص لاريجاني

الباحث العراقي سليم الدليمي، في مقال تحليلي له بتاريخ 17 يناير الماضي نُشر بموقع مجلة السياسة الدولية، وهي دورية متخصصة في الشؤون الدولية صادرة عن مؤسسة الأهرام المصرية - يستثني روحاني من الترشيحات لخلافة خامنئي على أساس أنه «لا يتمتع بدعم أي من التيارات الأصولية المتشددة وقيادات الحرس الثوري والتعبئة، ما معناه أن «الدولة العميقة لا تثق في روحاني بسبب ميوله الإصلاحية»، كما يُقلل من فرص مجتبي خامنئي (نجل خامنئي الثاني الذي يرشحه البعض في بورصة المرشحين لخلافة والده).

وبحسب ذلك الطرح، فإن لاريجاني ربما يكون الأنسب، ما يعزز ذلك أنه خلف الشاهرودي - الذي كان يعتبر الأوفر حظاً في خلافة خامنئي قبل وفاته نهاية العام الماضي.

الحرس الثوري

مجلس خبراء القيادة، هو المنوط به - وفق الدستور الإيراني - تعيين أو عزل المرشد. وبحسب الخبير بالشؤون الإيرانية نبيل العتوم، فإن فرص الإصلاحيين في القيام بدور مؤثر في مسألة اختيار المرشد ضعيفة.

ويشير لـ«البيان»، إلى أن الحرس الثوري قام من جانبه بدور كبير في عمليات التوجيه لانتخاب جزء كبير من المرشحين للمجلس في العام 2016، وبالتالي فإنه سيلعب دوراً رئيساً في مسألة اختيار من سيخلف خامنئي.

ويتفق العتوم مع ما ذهبت إليه مجلة «ناشونال إنترست»، بخصوص أن المرشد المقبل في إيران سيكون أقل نفوذاً في بلاده، لكنه أكثر ولاء للحرس الثوري الذي لا يمكن إغفال دوره الرئيسي في معادلة اختيار خلف خامنئي. وتظل فرص المرشحين الأبرز محدودة بمدى نفوذه وعلاقته بالحرس الثوري في المقام الأول.

اختيار خلف «المرشد» يمر عبر بوابة المصالح الدولية

الأوضاع الداخلية المتأزمة بإيران تسير في خطٍ متوازٍ مع العوامل الخارجية لا سيما في ضوء العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران وحشد واشنطن المجتمع الدولي ضد نظام الملالي، تزيد صعوبة التوافق على اختيار خلف خامنئي، ولعلها كانت السبب الرئيسي في أن تطفو تلك الخلافات على السطح الآن، وتُنذر بأزمة سياسية كما ذهبت مجلة «ناشونال إنترست» في تقرير لها، لكنّ الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني محمد المذحجي، المقيم في لندن، يقلل في تحليله للمشهد من إمكانية أن تؤثر تلك الظروف على ملف تحديد من سيخلف خامنئي، بقدر «اللاعبين الدوليين بخاصة بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة والصين».

يتمتع الإصلاحيون وجماعة هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني بدعم الولايات المتحدة - بحسب المذحجي، في حديث لـ«البيان» عبر الهاتف- ويعتبر هؤلاء لوبي أمريكا في النظام الإيراني، كما تعتبر أسرة لاريجاني (التي تسيطر على السلطتين التشريعية والقضائية وجزء من المحافظين التقليديين) بأنهم يمثلون المصالح البريطانية في إيران، بينما خامنئي والحرس الثوري يراهنان بشكل أساسي على دعم الصين وألمانيا، وبطبيعة الحال يمثلان مصالح هاتين القوتين العالميتين.

ضربة موجعة

يعتبر المذحجي أن رحيل رفسنجاني مثل ضربة موجعة إلى ما سمّاه «الجناح الأمريكي في النظام الإيراني»، على أساس أن رفسنجاني كان يعتبر المرشح المدعوم (أو المقبول) من واشنطن لخلافة خامنئي، في تقديره. ويشير إلى أن «بريطانيا كانت تراهن على أن يصبح محمود هاشمي شاهرودي خلفاً لخامنئي، لكنه توفي مؤخراً بسبب مرض لم يتم الإفصاح عن تفاصيله».

ويتابع: «ويعمل الجناح المسيطر على المناصب القيادية في الحرس الثوري على أن يصبح إبراهيم رئيسي مرشداً بعد خامنئي، لكنني أرى أن هذه المحاولة تتم بهدف التمويه وإبعاد الأنظار عن المرشح الرئيسي لخلافة المرشد، أي نجل خامنئي الثاني وهو مجتبی خامنئي».

ويتمتع مجتبی - بحسب تحليل المذحجي- بدعم ألمانيا والصين، وترى بريطانيا في مجتبى مرشحاً مناسباً للحفاظ على مصالحها في إيران.

وكان نجل خامنئي زار لندن خلال شهر مارس الماضي لفترة طويلة وصلت إلى ما يقارب الشهر، وفسر مراقبون تلك الزيارة الطويلة إلى عاصمة صنع القرارات الدولية، بأنها جزء أساسي من التحضيرات والترتيبات ليخلف مجتبی والده في منصب قيادة البلاد، فيما حالياً تراهن الولايات المتحدة على أن يكون حسن روحاني مرشحاً لخلافة خامنئي، ولهذا السبب منذ عدة أشهر يشن المحافظون وقادة الحرس الثوري هجوماً حاداً على روحاني، وفق المذحجي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات