الجنوب الليبي.. معركة السيادة وصراع المصالح

منطقة الجنوب الليبي دخلت معركة الحسم التي يقودها الجيش الوطني لحماية السيادة وتأمين الحدود وتحصين الثروات، غير أن حسابات المصالح بين الفرقاء الداخليين والخارجيين تنذر بحرب أهلية بعد أن كلف المجلس الرئاسي في طرابلس أحد أبرز العسكريين التابعين للنظام السابق، وهو الفريق علي كنّه، بمواجهة عملية التحرير والتطهير الذي تنفذها القوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويمثل الجنوب أهمية استراتيجية كبيرة في المعركة التي يخوضها الجيش الليبي من أجل استعادة الأمن والاستقرار في كافة أنحاء البلاد، فعبر أطرافه المترامية تجد الجماعات الإرهابية مساحة كبيرة للتمركز والاختباء، وأيضاً قواعد انطلاق لشن عملياتها ضد المدن الليبية.

ويسهم الجنوب الليبي بنحو نصف إنتاج ليبيا من النفط بمقدار نصف مليون برميل يومياً، بينما يشكل انتشار الجماعات المسلحة تحدياً أمام التنمية الاقتصادية في هذه المناطق.

معركة تحرير الجنوب الليبي التي يخوضها الجيش الوطني كشفت عن طبيعة الصراع حول المنطقة، وهو صراع مصالح في ظل الخلافات الأوروبية حول تقييم الوضع في البلاد، فبريطانيا الداعمة للمجلس الرئاسي والباحثة عن توافقات بينه وبين الإسلام السياسي والميليشيات في المنطقة الغربية، تبدو قريبة من وجهة النظر القطرية والتركية، عكس فرنسا التي لا تخفي مساندتها للقوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر، لاسيما أن الأمر يتعلق بالأمن القومي لمستعمراتها السابقة ومراكز نفوذها الحالي في دول الساحل والصحراء الكبرى مثل تشاد والنيجر ومالي وتونس والجزائر.

ويشير محللون إلى أن محاولات التصدي لقوات الجيش في الجنوب إنما تأتي لخدمة الأجندات الخارجية، وكذلك الميليشيات الداخلية خاصة في المنطقة الغربية، إلا أن تلك الميليشيات لا تملك القوة لمواجهة الجيش خصوصاً بعد أن وجدت الدعم من أغلب القبائل النافذة، ومن عموم الليبيين الذين يرون أن الأمر يتعلق بالسيادة الوطنية خاصة على الحدود والثروات.

حرب شرسة

المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الليبي أحمد المسماري، أكد أن القوات المسلحة تخوض حرباً شرسة في الجنوب مع أربع جهات هي: جماعة الإخوان بقيادة علي الصلابي، وقوات المتمرد إبراهيم الجضران، وقوات المعارض التشادي المقيم بالدوحة تيماي أرديمي، وقوات أحمد الحسناوي الذي يتبع تنظيم القاعدة الإرهابي، مشيراً إلى أن التنظيمات الإرهابية التي يقاتلها الجيش الليبي تتلقى دعما من قطر وتركيا، ومؤكداً في الوقت ذاته أن معارك القوات المسلحة ضد الإرهاب في الجنوب مستمرة بلا هوادة حتى القضاء عليه.

المسماري وجّه إنذاراً أخيراً للفريق علي كنّه المكلف أخيراً بالمنطقة العسكرية سبها من قبل حكومة الوفاق بالتوقف فوراً عن الرسائل العبثية اليائسة التي قال إنه يحاول إرسالها للجيش، مشيراً إلى أنه (أي كنه) يتصل بالعسكريين المنضوين تحت لواء القيادة العامة، في محاولة لاستمالتهم إلى صفوفه، ويحرّض شباب الجنوب للهجوم على تمركزات الجيش في مدينة أوباري (جنوب غرب) وحقل الشرارة تلبية لرغبة السلطة التي وصفها بغير الدستورية في طرابلس.

وأردف المسماري خلال مؤتمر صحفي مؤخراً أن «الأجندة القطرية» التي يحاول كنّه تنفيذها في الجنوب عامة، وفي مدينة أوباري خاصة بمعية مهندسها القيادي الإخواني علي الصلابي، مرفوضة جملة وتفصيلاً، مشيراً إلى أن المدينة لطالما كانت تعج بعناصر تنظيم القاعدة تحت مرأى ومسمع كنّه نفسه الذي لم يحرك ساكناً تجاهها طيلة سنوات حتى جاء الطيران الأمريكي وقصفهم 3 مرات.

وشدد المسماري على وحدة الجيش الليبي غير المنقسم أصلاً رغم أهواء وتصرفات وتحريض وإغراءات «بعض الأطراف السياسية الفاسدة»، مؤكداً أن الأجندة القطرية التي عاد بها كنّه من حيث إقامته السابقة في الدوحة مفضوحة ومعروفة بالأدلة والبراهين ولن يستطيع تنفيذها ما دام في القوات المسلحة الليبية قلب ينبض.

واتهم المسماري الآمر الجديد للمنطقة العسكرية سبها المكلف من قبل المجلس الرئاسي، بأنه هدد العسكريين العاملين في مدينة أوباري وضواحيها بأنه سيشعل الصراع القبلي في المدينة مجدداً إذا لم تنسحب القوات المسلحة منها، في إشارة منه للصراع الدموي الذي جرى بين التبو والطوارق ما بين سنتي 2015-2016، والذي أدى إلى مقتل المئات وتهجير الآلاف من السكان المحليين.

تأليب أقلية

يرى مراقبون أن الفريق علي كنّه يسعى إلى تأليب أقلية الطوارق التي ينتمي إليها ضد الجيش الوطني، غير أن المتحدث باسم القيادة العامة في الرجمة (شرق) العميد أحمد المسماري توجّه بالتحية لجميع أبناء قبائل الطوارق وساستهم وقياداتهم الاجتماعية التي وصفها بالنبيلة، وقال عنها إنها لطالما كان لها موقفها الواضح ودورها الوطني المشرف على مر التاريخ الليبي، مؤكداً أن شخصاً مثل كنّه لن يتمكن من تشويه هذه القبيلة أو جرها معه في مستنقعات مشاريع الدوحة المشبوهة ومن خلفها المجلس الرئاسي وداعميه.

مصادر مطلعة أشارت إلى أن كنه الذي كان من بين الضباط الأحرار الذين قادهم الزعيم الراحل معمر القذافي للإطاحة بالنظام الملكي في 1969، وعمل مسؤولاً عن القطاعات العسكرية بالمنطقة الجنوبية حتى سقوط النظام في 2011، شكّل في ديسمبر 2016 قيادة لضباط وجنود من النظام السابق خلال ملتقى عقد في منطقة قيرة بوادي الشاطئ جنوب البلاد، غير أن مشروعه قوبل بالرفض بعد أن أعلن العميد محمد بن نايل آمر اللواء 12 مجحفل بالجنوب، وهو كذلك من أبرز القياديين العسكريين في النظام السابق أعلن أنه لن يقبل بتواجد أية قوة أو كيان عسكري غير شرعي في الجنوب الليبي، مؤكداً وحدة التراب الليبي والقوات المسلحة بقيادة القائد العام المشير خليفة حفتر.

خلط الأوراق

المصادر أضافت أن نظام الدوحة سعى إلى خلط الأوراق من جديد عندما استضاف كنّه، ودعاه إلى التحالف مع جماعة الإخوان رغم أنها مرفوضة من قبائل الجنوب، وفي الأسبوع الماضي أرسل المجلس الرئاسي طائرة خاصة لنقل كنّه من أوباري إلى طرابلس، لتكليفه بالتصدي للجيش الوطني وتمكينه من منصب عسكري وتمويلات مجزية لتنفيذ المهمة، غير أن المتابعين للشأن المحلى أكدوا أن أبناء الطوارق يرفضون السير في هذا المنهج المعادي للجيش الليبي.

كما يرفضون التعامل مع المجلس الرئاسي ورئيسه فايز السراج، حيث استقبلوه في مدينة غات المجاورة في ديسمبر 2016 بالأعلام الخضراء وصور القذافي تأكيداً على ولائهم المستمر للنظام السابق، وهو ولاء لا يتناقض وفق المحللين مع دعمهم للجيش الوطني الذي يرون أنه يقود المصالحة الفعلية على الأرض ولم يقصِ عسكريي ما قبل 2011، وهو يحمي سيادة الدولة ومؤسساتها.

عضو مجلس الدولة عن منطقة الجنوب سعد بن شرادة أوضح أن قرار تعيين علي كنه آمراً لمنطقة سبها العسكرية بمثابة خلط للأوراق، وأضاف أن ذلك يتناقض مع تصريحات السراج ذاته وبياناته حول رفضه للميليشيات الأجنبية المسلحة، وانتهاكها للسيادة الليبية، مبيناً أن السراج اتخذ قرار تعيين كنة المخزي للغاية، وفق تعبيره، والذي يمثل فتنة حقيقية في ليبيا، بضغط من جهات وأشخاص لا تريد استقرار البلاد، مردفاً أن أهالي الجنوب حسموا أمرهم بالوقوف إلى جانب الجيش الذي يخوض معركته ضد الإرهاب، محملاً المجلس الرئاسي مسؤولية تبعات هذا القرار.

وختم بن بن شراد قوله بالتأكيد أن علي كنه لن يكون له أي تأثير يذكر على أرض الواقع بوجود الجيش، الذي يحقق انتصاراته على الميليشيات الأجنبية المسلحة.

أما النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، احميد حومة، فوصف العمليات العسكرية للقوات المسلحة في جنوب البلاد، بالملحمة التاريخية، وقال إن كل مناطق الجنوب كانت تعاني من تواجد العصابات الإجرامية والإرهابية، موضحاً أن الوضع بات مستقراً بعد دخول قوات الجيش.

وأضاف أن قرار تعيين السراج لعلي كنه آمراً لمنطقة سبها العسكرية لا يساوي الحبر الذي كتب به، حسب وصفه، مشدداً على أن هذا القرار لن يجدي نفعاً، ويعتبر فتيلاً لإشعال نار الحرب بين أبناء الجنوب.

محاولة بث الفتنة

ووفق مصادر من الجنوب، فإن كنّه كان مؤثراً في محيطه عندما كان يتحدث عن ولائه للنظام السابق وحيث رأى الأهالي في ذلك وفاء منه، يستحق عليه الاحترام، إلا أن أنشطته خلال العامين الماضيين ومنها زيارته إلى الدوحة وتعاونه مع المجلس الرئاسي ضد الجيش الوطني قد أطاحا بتلك الحظوة، ليصبح من بين المتهمين بمحاولة بث الفتنة في إقليم فزان.

وأكد عميد بلدية سبها حامد الخيالي «أن جميع القبائل تقف مع قوات الجيش الليبي، وأن القيادات تدعو أبناء المؤسسة العسكرية إلى الالتزام بالتواجد في معسكراتهم»، مبرزاً أن الأزمة في الجنوب تتمثل بالأساس في أن الخارجين عن القانون هناك لا يريدون إقامة الدولة والقانون والنظام، حيث إن معظم العصابات تستفيد من الظروف غير المستقرة في المنطقة.

نصيب الأسد من المعاناة

الفوضى في الأوضاع الليبية منحت أهل الجنوب نصيب الأسد من المعاناة، لا سيما أن الميليشيات ملأت الفراغ الناشئ عن غياب السلطة المركزية، ومارست أنشطة غير شرعية مثل الإتجار بالبشر وتهريبهم من أقصى الجنوب الليبي إلى سواحل أوروبا، عبر مدن شمالي ليبيا.

ففي 2017، ارتكبت مجموعة مسلّحة جريمة بمنطقة براك الشاطئ، حيث شنت هجوماً على أحد مقار الجيش الليبي هناك، وقتلت 100 جندي.

وفي مايو، قرر رئيس المجلس الرئاسي تشكيل قوة لتأمين الجنوب خلال 10 أيام من تاريخ القرار، إلا أنه، وبعد مضي 6 أشهر من القرار، لم تصل هذه القوة إلى فزان.

المعاناة اليومية

ورغم أن الحقول النفطية في الجنوب تصدر قرابة النصف مليون برميل يومياً، إلا أن أسعار البنزين في الجنوب الليبي تصل إلى 10 أضعاف سعرها في مدن الساحل. ورغم وجود منظومة النهر الصناعي في الجنوب الليبي، التي توفر المياه لمدن الساحل، يعاني الأهالي في المنطقة نقصاً في المياه الصالحة للشرب.

حقل الشرارة.. شرارة حرب جديدة

إعلان الجيش الليبي سيطرته على حقل الشرارة بأوباري، وهو أكبر حقل نفطي في البلاد، يعني أنه وضع يده على أهم مناطق الثروة النفطية إلى جانب الهلال النفطي وحوض سرت.

ورغم أنه دعا المؤسسة العامة للنفط التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، لإعادة حقل الشرارة إلى الإنتاج، إلا أن أطرافاً داخلية وخارجية ترى أن هذا الموقف يؤدي إلى تقوية شوكة القوات المسلحة بقيادة المشير حفتر، وهو جعل قوات علي كنّه التابعة للمجلس الرئاسي تندفع للهجوم على الوحدات العسكرية الموجودة لتأمين حقل الشرارة.

وقال عضو مجلس النواب سعيد إمغيب إن سيطرة الجيش على حقل الشرارة جاءت في الوقت المناسب، ما يدل على تكتيك سياسي وعسكري عالٍ للقيادة العامة للجيش بقيادة خليفة حفتر.

وأضاف في تصريحات له أمس: «إنه وبهذه السيطرة على هذا الحقل المهم، وتلك المنطقة يتم نسف أحلام قطر وتركيا في السيطرة على الجنوب الليبي كذلك تذهب كل اتفاقيات صنع الله والسراج مع الإنجليز أدراج الرياح».

وجاءت تصريحات إمغيّب للتأكيد على أن الجانب البريطاني له يد في مجريات الأحداث من خلال دعمه المجلس الرئاسي في مواجهة الموقف الفرنسي الداعم للجيش الوطني والذي وصل إلى حد توجيه ضربات جوية للمتمردين التشاديين داخل الجنوب، ثم داخل التراب التشادي أثناء فرارهم من المعارك.

شرارة معركة

ورأى مراقبون أن الصراع الدائر على حقل الشرارة قد يشعل شرارة معركة جديدة ستسهم في العودة إلى مربع الحروب، وتنسف كل محاولات رأب الصدع بين القوى المتصارعة.

وينقل موقع «إرم نيوز» عن المحلل السياسي المختص في الشأن الليبي، كامل عبدالله، قوله إن هناك مخاوف حقيقية من تداعيات العمليات العسكرية في الجنوب الليبي؛ لأنها ستتسبب في انهيار الأوضاع الهشة في المنطقة، التي تحتاج إلى معالجات سياسية وأمنية في غاية الدقة.

وأضاف أن الوضع يتجه إلى التصعيد والتعقيد، خاصة بعد معارضة بعض الأطراف للعمليات العسكرية، واحتمال أن يتسبب ذلك في اصطفاف قبلي من شأنه أن ينذر بمواجهات مسلحة بين القوى القبلية في المنطقة، التي تملك الكثير من الأسلحة والعتاد الحربي، مشيراً إلى أن القبائل المسلحة في الجنوب الليبي غير خاضعة لسيطرة أي جهة حكومية.

السيادة والمصالح

وأبرز عضو مجلس النواب علي السعيدي أن «المشهد أصبح واضحاً لليبيين بالكامل، حيث نتحدث عن مجموعة مؤدلجة تنتمي للإخوان في ليبيا وللتيار الإسلامي السياسي المتشدد الذين قفزوا على السلطة في ليبيا وأوصلوا البلاد لهذه المرحلة».

واعتبر أن القضية الحالية تمثل قضية وطن، ومن يغرد خارج الوطن فهو من المجموعات التي لا تؤمن بالطرف الآخر ولا تعني قياداتهم من داخل التراب سواء أي جهة كانت، لافتاً إلى أن المجلس الرئاسي لا يملك قوة عسكرية حقيقية بل هي ميليشيات موجودة في طرابلس تخشى مغادرة العاصمة حتى لا تستحوذ عليها ميليشيات أخرى من مناطق أخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات