حرب باردة بنكهة لاتينية تلوح في الأفق

فنزويلا ساحة تصعيد لصراع دولي

صورة

شهدت دول أمريكا اللاتينية على مدار تاريخها تحوّلات سياسية جذريّة، لعبت الولايات المتحدة الأمريكية في الكثير منها دوراً بارزاً ومؤثراً، انطلاقاً من مساعي واشنطن لتأمين حديقتها الخلفية.

وفي غمار تلك التحوّلات تمكنت الولايات المتحدة من فرض هيمنتها على عدد من الأنظمة هناك، فيما واجهت صعوداً متقطعاً لأنظمة يسارية معادية لواشنطن، خلال فترات مختلفة، وبشكل خاص قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وخلال فترة الحرب الباردة، قبل التحول الديمقراطي في تلك الدول، الذي تلاه بعد ذلك صعود هائل بمطلع الألفية لليسار من جديد قبل انحسار موجة الأنظمة اليسارية الاشتراكية مرة أخرى بعد ذلك.

سعت روسيا والصين بشكل خاص، ومعهما إيران أيضاً، إلى محاولة إيجاد الثغرة، التي تنفذ من خلالها إلى القارة اللاتينية، ونجحت في تحقيق حضور لافت في بعض دول القارة بأشكال مختلفة، وبخاصة في فنزويلا التي على وقع الأوضاع الداخلية-لا سيما الاقتصادية- فيها تشهد أزمة حادة بعد إعلان رئيس البرلمان خوان غوايدو نفسه رئيساً مؤقتاً في مواجهة الرئيس الحالي نيكولاس مادورو، وهي الأزمة التي شطرت الداخل الفنزويلي؛ معارضة يمثلها غوايدو، بمواجهة مادورو الذي يتمتع بمساندة الجيش ومؤسسات حكومية.

وعلى صعيد المواقف الخارجية أعلنت واشنطن عن تأييدها لجبهة غوايدو رفقة عدد من دول أمريكا اللاتينية مثل كندا والبرازيل والأرجنتين وتشيلي، فيما يحظى مادورو بتأييد من روسيا وتركيا وبوليفيا وكوبا والمكسيك وإيران والصين ونيكاراغوا ودول أخرى.

تباين المواقف الدولية على هذا النحو ترجم صراع النفوذ في أمريكا اللاتينية، حتى إن مراقبين توقّعوا نشوب حرب باردة جديدة في تلك المنطقة، وأوجدوا شبهاً بين ما يجري والظروف التي أحاطت بأزمة صواريخ كوبا الشهيرة (أزمة الكاريبي) في 1962، وذلك وفق التصور الذي يطرحه أستاذ العلاقات الدولية في مصر د.أيمن سمير، في حديث لـ «البيان»؛ إذ يتوقع صراعاً دولياً في أمريكا اللاتينية، وشبَّهَ الوضع الراهن- وفي ظل تفجر الأزمة في كاراكاس على ذلك النحو، وفي ضوء المواقف الدولية المعلنة- بأزمة صواريخ كوبا في مرحلة الحرب الباردة، لكنّ الآن «فنزويلا» ستكون هي محورها الرئيس، ومقابل معسكر الولايات المتحدة يقف معسكر تقوده روسيا والصين، ضمن أبرز السيناريوهات التي تلف الأزمة، مع عدم استبعاد سيناريو الفوضى والعنف الداخلي.

المشاريع الأمريكية

عرقلة المشاريع الأمريكية في الشرق الأوسط وبخاصة في سوريا - إن لم نقل هزيمتها في تقدير المحلل السياسي من كاراكاس إسحاق خوري، خلال حديثه لـ«البيان» عبر الهاتف- يجعلها ترتد من جديد نحو حديقتها الخلفية المزعومة في محاولة منها لإعادة هيمنتها (..) وهذه المرة على ما يبدو أن يأس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من إمكانية التغيير السريع يقوده إلى أخطاء في تقدير الموقف لا تحمد عقباها، وستعاني من عواقبها كل أركان القارة (..) المسألة هي «صراع على مستقبل القارة ولربما العالم».

وتعتبر الولايات المتحدة القارة اللاتينية حديقتها الخلفية ومجالها الحيوي وخط الدفاع الأول عن هيمنتها وسيطرتها العالمية، وهذه ليست افتراضيه بل استراتيجية أكدها مسؤولون أمريكان في غير مناسبة.

وفي الحالة الفنزويليّة حالياً، طبقاً لخوري، فإن الوضع يبدو معقداً؛ فالنظام الذي يمثل صداعاً لواشنطن وربما أوروبا، صار من الصعب إسقاطه؛ رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، التي تواجهها من الناحية المقابلة «برامج اجتماعية» مرتبطة بشكل أساسي بالتعليم والأسعار، تعتبر من الأسباب المُهدئة لغضبة المواطنين هناك، إضافة إلى «التفاف الأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية الثورية- رغم اختلافاها مع الحزب الاشتراكي الحاكم برنامجياً- على الحكومة التقدمية، ودعمها في الدفاع عن المصالح القومية والاستقلال».

ومن ثم فإن إعلان غوايدو نفسه رئيساً مؤقتاً بالاستجابة للولايات المتحدة، أمر مخالف للدستور «ويعتمد بالأساس على الدعم الأميركي الأوروبي»، وهو بذلك يقوم بـ«قفزة في المجهول ومقامرة يمكن إن فشلت أن تطيع بالجمعية الوطنية/ البرلمان».

وما يعزز موقف مادورو أن «الجيش وأكثر من 80% من المجالس البلدية وكذا المؤسسات المختلفة والحكومة في صفّه»، وفق توصيف خوري، الذي يختلف معه كثيرون في التوصيف.

وعلى الصعيد الخارجي، فعدم اعتراف مجلس الأمن وكثير من الدول الوازنة- إيطاليا مثلاً- بـ«الرئيس الذي تحاول أن تفرضه الإدارة الأمريكية في كاراكاس»، يكشف عن أن حظوظ غوايدو في الخارج «ليست بأفضل من خصومه في الداخل».

تنافس دولي

الأزمة في فنزويلا تكشف عن تفاقم الخلاف بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، إذ امتد التنافس بين واشنطن وكل من موسكو وبكين إلى منطقة أمريكا اللاتينية خلال السنوات الماضية، لما تمثله تلك المنطقة من أهمية جيواستراتيجية كبيرة لوقوعها جغرافياً بالقرب من الولايات المتحدة، فضلاً عن أهميتها الاقتصادية المتعاظمة بالنظر إلى ضخامة حجم الموارد الطبيعية والثروات المعدنية المتاحة فيها.

وطبقاً للباحثة المتخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية د.صدفة محمد، في حديث لـ«البيان»- عملت واشنطن على تدعيم نفوذها في المنطقة عبر حزمة من المساعدات الاقتصادية والعسكرية أحياناً، والضغوط السياسية والاقتصادية في أحيان أخرى، ناهيك عن دعمها للانقلابات العسكرية والناعمة ضد دول المنطقة التي تتبنى توجهات مناهضة لها.

وفي المقابل، عملت روسيا والصين خلال السنوات الماضية على تعزيز حضورهما الاقتصادي والسياسي والعسكري في أمريكا اللاتينية، لتصبح المنطقة بذلك ساحة جديدة للتنافس والمواجهة بينهما وواشنطن. وعملت روسيا على تعزيز حضورها العسكري في المنطقة عبر صفقات السلاح، بحيث أضحت المورد الرئيس للأسلحة لدول أمريكا الجنوبية.

أما بكين فحرصت على ترسيخ نفوذها في المنطقة لضمان الوصول إلى المخزون الاستراتيجي الهائل من المواد الأولية ومصادر الطاقة، وكذلك الأسواق الشاسعة في القارة حتى أضحت الصين شريكاً تجارياً ومستثمراً ومقرضاً رئيساً للعديد من دول المنطقة.

ولا تنطلق المساعي الروسية- الصينية لمنافسة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية من دوافع واعتبارات اقتصادية فحسب، بل سعى البلدان إلى تعزيز حضورهما في المنطقة ورقة ضغط على الولايات المتحدة، في أعقاب تمدّد حلف الناتو في أوروبا الشرقية، ونشر منصات مضادة للصواريخ البالستية على الحدود الروسية من ناحية، كما أن تنامي الحضور الصيني رد فعل على سياسة واشنطن الساعية إلى تعزيز وجودها العسكري في شمال شرق آسيا.

تجاذبات

عضو الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم في فنزويلا إيزابيل فرنجيه، تقول لـ«البيان» عبر الهاتف من كاراكاس، إن وضع فنزويلا «مستتب» في الوقت الراهن، ذلك أن هنالك في تقديرها تعاضداً بين الرئيس الحالي وجميع القيادات الداخلية، لاسيما العسكرية منها، والمؤسسات الداخلية، وبدعم شعبي داخلي واسع».

وتعتقد أن «الأزمة الدبلوماسية الخارجية واضحة المعالم، فتجمع ليما والولايات المتحدة لم ينجح في انتزاع قرار الاعتراف بغوايدو من مجلس الأمن (..) وهو ما يعد إقراراً من المجلس وبالأحرى من الأطراف المعارضة لواشنطن وموقفها، بأن الأزمة في فنزويلا شأن داخلي».

موقف الولايات المتحدة من الأزمة في فنزويلا ناتج في الأساس- وفق فرنجيه- من «سياسة الثورة» المناهضة للمشاريع الاستعمارية الجديدة للولايات المتحدة- على حد تعبيرها- ذلك أن واشنطن تعتقد وتتعامل من منطلق أن فنزويلا هي الحديقة الخلفية لها.

وبهذا المعنى فإن زيادة النفوذ والعلاقات مع كل من روسيا والصين يمثّل تهديداً لتلك المصالح، وهو بالتالي شعل صراع النفوذ. عززت ذلك «السياسات الخارجية الخاطئة، التي اتبعتها الولايات المتحدة وتداعياتها على وضعية واشنطن وعلاقاتها، وقد دفعت تلك السياسات واشنطن إلى خسارة هذه الساحة (فنزويلا).

يضاف إلى ذلك، أن «واشنطن- وفي ضوء تطورات الأوضاع على الساحة في فنزويلا- تخشى أن يذهب إنتاج فنزويلا من السوريوم بشكل خاص إلى كل من روسيا وإيران»، بحسب فرنجيه، التي تشير إلى أن فنزويلا هي محل صراع دولي على اعتبار أنها نقطة جيوسياسية محورية للكثير من الدول المحيطة وتمتلك ثروات طبيعية هائلة.

وفي مقابل ذلك، فإن فنزويلا تحتفظ بعلاقات واسعة مع روسيا، ولعل ذلك ما يقلق الجانب الأميركي كثيراً، على اعتبار أن العلاقات بين كاراكاس وموسكو ليست وليدة الأمس، لكنها علاقات آخذة في التطور، وتشمل مجالات عدة (..) كما كان لروسيا موقف إيجابي داعم لفنزويلا في أزمة الديون الخارجية، وذلك أيضاً للعلاقات مع الصين، التي لديها استثمارات كبيرة وعلاقات «مميزة» مع فنزويلا.

السيناريو السوري

ترى الباحثة المتخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، د. أمل مختار، أن السيناريو المتوقّع لفنزويلا، أقرب للسيناريو السوري، بمعنى اشتعال حرب داخلية، لا سيما أن الولايات المتحدة على ما يبدو تراهن على حدوث انشقاقات داخلية في الجيش الفنزويلي (أشَّرت لها بانشقاق الملحق العسكري الفنزويلي في واشنطن، واعترافه برئيس البرلمان خوان غوايدو رئيساً للبلد)، وقد نشهد خلال الفترة المقبلة انشقاقات أخرى، وحال تحقق ذلك السيناريو، سيكون الصراع غالباً «من تحت الأرض»، لتصبح فنزويلا ساحة لصراعات أجهزة مخابراتية دولية، من بينها روسيا والصين والولايات المتحدة وغيرها، ربما.

تحوّلات البوصلة السياسية وصراعات «الحديقة الخلفية»

بشيء من التفصيل عن كواليس الصراع ذي الجذور التاريخية في أمريكا اللاتينية، فإن هذا الصراع كان سائداً بقوة فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ذلك أن تحوّل بلد مثل كوبا إلى النظام الشيوعي مثّل خطراً داهماً على أمريكا، وقد كانت كوبا تلقى دعماً واسعاً من الاتحاد السوفييتي وقتها، ومن ثمّ «هناك هدف أمريكي واضح لعدم تكرار النموذج الكوبي، وتحرص ألا يصل اليسار في أية دولة بأمريكا اللاتينية إلى الحكم»، طبقاً للباحثة المتخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية د.أمل مختار في حديثها مع «البيان».

وحتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ظل الوضع على ما هو عليه، ولعبت الولايات المتحدة دوراً «غير إنساني» بدعم تغيير الأنظمة الحاكمة ودعم انقلابات عسكرية دامية أودت بحياة الكثير في البرازيل وتشيلي والأرجنتين وكثير من دول أمريكا اللاتينية، على حد تعبير الباحثة المتخصصة التي تشير إلى أن كل دول أمريكا اللاتينية مرت بمرحلة التحول الديمقراطي التي بدأت في الثمانينات وبداية التسعينات، وبدأت الأنظمة الحاكمة هناك تأتي بالانتخاب، وكانت في تلك الفترة موالية لأمريكا.

عودة تدريجية

لكن الأمر تطور بعد ذلك وبدأ اليسار يعود تدريجياً للعمل السياسي وحتى وصوله إلى الحكم، وحتى العام 2014 و2015 كانت معظم دول أمريكا اللاتينية أو جميعها يحكمها التيار اليساري، سواء على المستوى الرئاسي أو التشريعي أو على مستوى المحافظات وحكّام الولايات، وقد حكم اليسار أمريكا اللاتينية مؤخراً على مدار 14 عاماً على التوالي تقريباً قبل انحسار موجة اليسار من جديد.

اليسار اللاتيني - بحسب مختار - وإن كان يشترك في سماته مع اليسار الأوروبي والعربي أيضاً في مسألة المناداة بالعدالة الاجتماعية وتوفير حياة لائقة للفقراء وغير ذلك من مبادئ اجتماعية، إلا أن أهم ما يميزه هو مناهضته الهيمنة الأمريكية، بخاصة اليسار الشعبوي، بينما اليسار المعتدل كالذي كان يمثله الرئيس البرازيلي السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وبعده ديلما روسيف، وأيضاً في تشيلي في عهد ميشار باشيلي؛ لم تكن مسألة العداء لأمريكا ظاهرة بصورة كبيرة.

صعود اليسار على ذلك النحو في القارة اللاتينية - في فترة الألفينيات - جاء في وقت كانت الولايات المتحدة منشغلة بالكامل بقضايا الشرق الأوسط والأدنى، بخاصة في أفغانستان والعراق، وتدريجياً مؤخراً بدأت كل من روسيا والصين تسعى إلى محاولة «ملء الفراغ» للنفوذ السوفييتي القديم، من خلال فتح علاقات مع كوبا وفنزويلا والدول البوليفية ونيكاراغوا وغيرها.

مع كوبا

لكن الصورة الآن مختلفة، بحسب الباحثة المتخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية، فالولايات المتحدة أعادت العلاقات مع كوبا بعد انقطاع دام 50 عاماً، وفي نفس الوقت الدول اللاتينية الكبرى تحولت من خلال الانتخابات إلى أنظمة يمينية، ذلك بموازاة أوضاع صعبة تعيشها فنزويلا في عهد مادورو الذي تشهد بلاده حالة من التراجع الاقتصادي الحاد وصل حد الأزمة الإنسانية الخطيرة.

ومن ثمّ أصبحت واشنطن على صلات أكثر قوة مع الأنظمة الكبرى في أمريكا اللاتينية، وبالتالي فصراع النفوذ محسوم سلفاً لواشنطن؛ على اعتبار أن روسيا بكل ما لديها من مشاكل لا يمكن أن تتواجد في تلك المنطقة بنفس الثقل الذي كان عليه الاتحاد السوفييتي من قبل، وحتى الصين وإيران التي كان هوغو تشافيز بوابتها في فترة من الفترات في القارة اللاتينية، حيث إن إيران الخاسر الأكبر من انحسار موجة الأنظمة اليسارية في تلك المنطقة.

ووفق تلك القراءة، فإن المشهد الكامل الآن يصب في صالح أمريكا، والدليل على ذلك ما تكشفه الأزمة في فنزويلا حالياً؛ فالدول التي وقفت مع مادورو داخل المنطقة هي دول صغيرة، مثل كوبا التي ظلت تحت الحصار على مدار 50 عاماً، علاوة على أنها دولة بسيطة في قدراتها الاقتصادية وكذا تواجدها في النظام الدولي، إضافة إلى نيكاراغوا وبوليفيا، لكن القوى الكبرى هناك ليست مع مادورو. فيما يظل سيناريو «اشتعال الحرب الداخلية على طريقة الوضع السوري مطروحاً».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات