الحراك اللبناني بعد 4 سنوات: بين التحالفات والتجاذبات

من تظاهرات الحراك المدني ـــ البيان

بالزيّ الأبيض والكمامات الطبيّة، وفي تظاهرة حملت عنوان «الكوليرا جايي، صار بدها جلسة»، جاب ناشطو «الحراك المدني» في لبنان، في 22 أغسطس من عام 2015، شوارع بيروت وصولاً إلى منزل رئيس الحكومة آنذاك تمام سلام، لإيقاظه من نومه ودعوته إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء، تحمل بنداً واحداً، هو «ملفّ النفايات»، لإقرار المراسيم المطلوبة لحلّ الأزمة.

ومن بوّابة ذلك المشهد، شهدت السنوات الماضية حملات واعتصامات وتظاهرات في شوارع المدينة ومربّعاتها، توزّعت بين الثابت منها والمعلن وبين المفاجئ، أمام مؤسّسات الرقابة والقضاء، ووزارات الدولة وإداراتها، احتجاجاً على التمديد للمجلس النيابي وعلى تراكم النفايات في الشوارع، إلى جانب المطالبة بوضع نظام صحّي واستشفائي متكامل، وتفعيل المادة 46 من قانون العمل اللبناني، المتعلّق بتصحيح سنوي للأجور بالتّوازي مع التّضخّم، ومنع المؤسّسات من تشغيل موظّفين وعمّال من دون الحدّ الأدنى للأجور ومن دون ضمان اجتماعي.. وذلك، من دون جدوى كبيرة تُذكر.

«خط أحمر»

ما بين الأمس واليوم، عادت مجموعات الحراك المدني مابين تحالفات وتجاذبات، عبّرت عن حيوية المجتمع المدني اللبناني الذي انفجر غضبه في الشارع إثر أزمة النفايات في صيف عام 2015، إلى التحرّكات المطلبيّة، في ظلّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ابتُلِي فيها لبنان، وكان أبرزها التظاهرة الشعبية التي انطلقت من أمام وزارة العمل وصولاً إلى وزارة الصحة العامّة، تحت شعار «العمل والصحّة خطّ أحمر»، برمزيّتها التي اختصرتها صرخة ذاك الرجل الستّيني، أمام شاشات التلفزة، وهو من ضمن 350 موظّفاً مصروفاً من إحدى الشركات، من دون الحصول على حقوقهم. فعلى عكّازه، راح الكهل يصرخ ويشتم الدولة والمسؤولين والاتحاد العمالي العام، لكونهم لم يحرّكوا ساكناً لمحاسبة أصحاب الشركة على الصّرف التعسّفي الذي طاله وزملاءه بعد إقفالها.

أما اللافتات، فطالت الأزمة الاقتصادية: «41 ألف دولار حصّة اللبناني من الدين العام والخاص»، و«إذا ما لقينا شغل حتلاقونا بالشارع»، و«تشبيح أمني، تشبيح اقتصادي»، وذلك على وقع الأناشيد الثورية وهتافات «خبز، حرية، عدالة اجتماعية»، والشعارات المستوحاة من الأغاني اللبنانية: «شكّل الحكومة شكّل، مش فارقة معَايْ» و«طلع الديْن عا الدولة طلع الديْن، صار يزيد شوي شوي».

وهناك، اختتموا تظاهرتهم بكلمة ندّدوا فيها بـ«السلطة التي تحتمي بنظام قائم على المحاصصة والفساد والتحريض الطائفي». وطالبوا بالتغطية الصحيّة الشاملة لكلّ المواطنين، وتطبيق قانون العمل وتصحيح سنوي للأجور بالتوازي مع التضخّم، وتفعيل دور مجلس الخدمة المدنية ورفع التدخلّات والمحسوبيّات عنه، ووضع خطّة طوارئ لمكافحة البطالة، وأعلنوا عن الاستمرار في التظاهرات .

الطبقة السياسية

وفي انتظار الآتي من التحرّكات، تحت شعار «إلى الشارع للإنقاذ في مواجهة سياسة الانهيار»، بدأت المجموعات المدنية بالعمل على وضع ورقة اقتصادية، مع مجموعة من الخبراء، حول الواقع الاقتصادي والخلل الحاصل في جميع القطاعات، استعداداً للحراك المنظّم في الشارع، الذي ينطلق من مبدأ أساس: من يجب عليه دفع ثمن التدهور الحالي، فجميع المؤشرات الاقتصادية تدلّ على أنّ الطبقة السياسية ستذهب إلى فرض المزيد من الضرائب على المواطنين، تحت حجّة السير ببعض الإصلاحات لسدّ حاجات الدولة ومديونيّتها، بعد الانتهاء من تشكيل الحكومة.

هي عودة تفرض توحّد تلك المجموعات، سياسياً ومطلبياً، بعيداً من الانقسامات السابقة، خصوصاً أنّ هناك على الأقل تحدّيين أساسيّين أمامها: الأوّل، أزمة اقتصادية تطول جميع اللبنانيين على انقساماتهم، وتهدّد البلد بانهيار محتمل. والثاني، الحراك الملتبس لبعض القوى المحسوبة على طرف سياسي وطائفي محدّد في الآونة الأخيرة، مستغلّين نقمة الشارع ضد أطراف سياسية وطائفية متّهمة بعرقلة تشكيل الحكومة. لذا، فإنّ عودة المجموعات المدنية إلى الشارع ستكون أمام رهان إعادة ثقة اللبنانيين بمجتمعهم المدني، في التصدي لتجاوزات الطبقة السياسية، التي أدّت إلى الحالة الراهنة.

المعادلة السياسية

وما بين المشهدين، عُرِفت حركة الاحتجاج الشعبيّة بمصطلح «الحراك المدني»، ورفعت مطالب خدماتيّة وأخرى مرتبطة بالإصلاح السياسي للنظام اللبناني، تحت شعارات عدّة، أبرزها: «نعود إلى الشارع، لنعود إلى الوضوح»، و«الساحات لنا.. كونوا كتار»، بما أعاد طرح جملة من الأسئلة بخصوص الواقع اللبناني إلى الواجهة، وبثّ نوعاً من الحيوية المحليّة غير التقليديّة، أي من خارج الانقسام التقليدي بين قوى 8 و14 آذار.. وبالتالي، برزت جملة من الأسئلة حول طبيعة الحراك القائم في الشارع، مكوّناته وأجنداتهم، سرّ التوقيت، الظروف التي سمحت بخروجه إلى الضوء، والتحوّلات التي عبّر عنها.

وهكذا، مرّت نحو 4 سنوات على الحراك المدني.. وفي هذه السنة كان يفترض أن تنتفي أسبابه، وأن يقدّم أهل الحلّ والربط الوصفات العلاجيّة المطلوبة والضروريّة لكلّ الأمراض الداخلية، لا الجسدية، وعلى كل المستويات، لكن، كأنّ شيئاً لم يكن، وكأنّ شيئاً لم يحصل، فالصورة على حالها لم يطرأ عليها أيّ تبديل أو تعديل. أمّا الأسباب الدافعة إلى الحراك المدني، فما زالت هي هي، لا بل أنّها تفاقمت إلى حدّ يُنذر بأنّ هذا الحراك قد يشهد تصعيداً من جديد، إلّا أنّ العبرة دائماً تبقى في الآذان الصاغية لكلّ الصرخات المطلبية والتصحيحية.

واستناداً إلى قراءات متعدّدة، فإنّ الحراك المدني كان كلما اقترب من ملامسة العناوين السياسيّة، كانت تبرز فيه خطوط التفسّخ بصورة أوضح، نظراً إلى التباينات الإيديولوجية والسياسية بين أطرافه. والمعضلة التي واجهتها، ولا تزال، أطراف الحراك، بخصوص العناوين السياسية، هي في الخوف من تبنّيها لأيّ طرح سياسي يجعلها تبدو في موقع أقرب لأيّ من طرفَي الانقسام اللبناني (8 و14 آذار).

وبالعودة إلى الماضي، تجدر الإشارة إلى أنه، منذ 22 أغسطس من عام 2015، دخل ناشطو مجموعات «الحراك المدني» إلى المعادلة السياسية اللبنانية، وأصبحوا فجأة جزءاً مؤثراً في مشهدها، ومحلّ تكهّن حول تأثير حركتهم في الواقع السياسي اللبناني.

ووقفت في مقدّمهم حركة «طلعت ريحتكم» التي ولدت أوائل شهر أغسطس 2015 من بين ثنايا طفرة حراك شعبي تصاعدي تسبّبت به أزمة النفايات، إضافة إلى مجموعات أخرى عملت ضمن هذا الحراك، كحملة «بدنا نحاسب» التي ولدت في أواخر شهر أغسطس 2015، إضافة إلى مجموعات لا خبرة سياسية وتنظيميّة لها.

محطة لافتة

في 29 أغسطس من عام 2015، كانت المحطة الكبرى في تاريخ لبنان، إذ فاجأ الحراك المدني السلطة، في تظاهرة شعبية - مدنية - شبابية، كانت عابرة لكل الطوائف والمناطق والأحزاب، وتركّزت أساساً على دينامية وحيوية المجتمع المدني اللبناني ومنظّماته الناشطة التي تقاطعت لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث، فصنعت حدثاً وطنياً استثنائياً، رفعت خلاله شعارات عدّة، وأبرزها إلى جانب «طلعت ريحتكم» هو شعار «كلّن يعني كلّن»، الذي رفِع بعناد والتزام، من أجل التأشير إلى فساد الغلبة الساحقة في السلطة، بحسب منظّمي التظاهرة حينها. ومنذ ذلك الحين، توالت الاعتصامات المدنيّة والتحرّكات الاحتجاجية التي تنقّلت من ساحة إلى أخرى، تحقيقاً لـ«الثورة على الفساد المتغلغل» في بنية الطبقة السياسيّة، وفي هيكليّة الدولة بأطرها السياسيّة والإداريّة، لكن الصرخات والمطالبات لم تلقَ آذاناً مصغية.

ولأنّ للمجتمع المدني في لبنان خصوصيته النابعة من اختلاط المشارب والأهواء والنزعات المتعدّدة بتعدّد انتماءات الشعب اللبناني وولاءاته، فإنّ زوايا الرؤية إلى المشكلات تتعدّد تبعاً لعوامل التمذهب والتحزّب والطائفية، من دون القدرة على التعاطي مع ما يعترض الحياة المدنيّة على أسس برامجية واضحة.

من هنا، وبمعزل عن الملاحظات العديدة والجوهرية على التحرّك في الشارع، فإنّ الحراك المدني نجح في صناعة معطيات جديدة، أبرزها: دخول أولويات الناس وهمومهم على جدول الأعمال الداخلي، وإرباك الطبقة السياسية وتعديل في موازين القوى التي تتحكّم بقواعد اللعبة الداخلية.

 

نجاحات وإخفاقات

بين الأمس واليوم، وفي حين يستعدّ المجتمع المدني لمواصلة تحرّكه تحت شعار «كلنا سوا لمكافحة الفساد»، تجدر الإشارة الى أن الحراك نجح حتى الساعة في تقديم صورة واضحة عن عمق الأزمات التي يعيشها المواطن اللبناني، إلا أنه لا يزال يتدحرج على الأرض من ساحة إلى أخرى بلا آفاق واضحة وبلا تنسيق بين مكّوناته، فنقف عند مسميات كثيرة، وكلّ مسمّى يحوي مضمونه الخاصّ به، وتظهر بين الفينة والفينة علامات مشيرة إلى تباعد بين كلّ تلك المسميات، وهي مكوّنات هذا الحراك.

ولأنّ الحراك لم ينجح في تلمّس أي سبيل للخروج من الأزمات القائمة، في ظل عدم وجود خطّة واضحة للتحرّك وأهداف عملية يتمّ العمل على إنجازها تباعاً، فإن الأمر يستدعي، بحسب مصادر مراقبة، ضرورة إعادة بلورة خطاب الحراك، وتوحيد لغة الجهات المنظّمة له، وتعويم المطالبة بقانون انتخابي يعبّر بالفعل عن تطلعات الناس وخياراتها، والانخراط في عملية تفاوضيّة مع الحكومة، وصولاً إلى فرض الحلول مع تحديد آلياتها. أما المضيّ في النهج الانفعاليّ، فمن شأنه تحويل الحراك إلى أزمة مضافة إلى الأزمات القائمة.

 

شارعان.. والطائفية في الحسبان

من حين إلى آخر، «يقرّر» الشارع اللبناني أن ينتفض، ليستحيل مساحةً تائهة بين «التعبير الديمقراطي» والفرصة للانتقام من الوجه المعنوي للدولة.. وفي لبنان شارعان: واحد يفضي إلى الفتنة، وآخر يفضي إلى إعادة الاعتبار للدولة ومؤسّساتها، لتكون حكماً بين اللبنانيين.

وفي جردة حساب سريعة، لم يكن الشارع مسرحاً للتغيير السياسي والديمقراطي إلّا في مرّات نادرة جداً، وفي لحظات مصيرية، إذ يتحوّل المطلب المحقّ أو التظاهرات صدامات تأخذ طابعاً سياسياً وتتّجه نحو الطائفية، فيما تندرج القضايا المعيشيّة في آخر سلّم أولويات اللبنانيين، ولا تشكّل محرّكاً لهم لكي يتظاهروا.

تاريخياً، نجح خيار الشارع مرتين في تاريخ لبنان: الأولى عام 1943، عندما نزل اللبنانيون للمطالبة بالاستقلال عن فرنسا والإفراج عن زعمائهم، وقد استغلوا لحظة الكباش الفرنسي - البريطاني ونالوا الاستقلال. والمرة الثانية، عندما ملأوا ساحة الشهداء في 14 مارس 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ونجحوا في إخراج الجيش السوري من لبنان بدعم دولي.

الوهج أقل

أما اليوم، فقد خفّ وهج المسيرات، لكن الحلم لم ينطفئ: «سنرمّم ما أفسده زعماء لبنان، حجراً بعد حجر، بسواعدنا التي أريد لها أن تُبتر، لكنها ستبقى عصية على التكتيف، ولو استغرق الأمر سنوات»، يقولون.. وقد ينجح المحتجّون في تحقيق مطلبهم، وقد يفشلون، ولكن الهدف الذي يسعون إليه هو هدف كبير وصعب التحقيق لأنه لا يعني إلغاء أو تعديل قانون واحد، واتخاذ قرار أو تدبير معين، بل يمكن أن يعني إلغاء لبنان القائم في العام 1920، وإعادة بنائه من جديد، فالطائفية والنظام الطائفي ولبنان صنوان لأجل غير مسمّى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات