ريبورتاج

عائلات فلسطينية تهرب من الموت للسكن في مدارس «الأونروا»

المدارس في بلدان العالم للتعليم، والمنازل للسكن، لكن القاعدة شذت هذه المرة في قطاع غزة، لتغدو المدارس مكاناً للسكن والإيواء جراء هدم المنازل وتحويلها لركام بفعل عدوان إسرائيلي غاشم قبل أربع سنوات، وما زالت تداعياته السيئة تصب لجام قسوتها على أصحاب تلك المنازل الذين أصبحوا نازحين بعد عجز«الأونروا» عن دفع بدل إيجار عن منازلهم المدمرة.

المأساة ليست وليدة اللحظة، ولا ميعاد لانتهائها وانتهاء مأساة أكثر من 1600 عائلة، قضى الحزن منهم وطراً على رحيل جدران بنوها بعرق جبينهم «طوبة على طوبة»، لتأتي آلة الحرب الإسرائيلية وتنتزع الحجر والبشر خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014 على قطاع غزة الذي استمر لأكثر من 50 يوماً كانت حصيلة من استشهدوا خلال هذا العدوان 2147 شهيداً 81% منهم من المدنيين.

حملوا على كاهلهم عبء سنين مضت، وعبء مرحلة قادمة ضبابية المعطيات والحلول، فمشهد من النازحين يستقرون على فصول وأدرج مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، إنما يعيد للذاكرة مشهد تهجير الفلسطينيين من أرضهم قسراً عام 1948، وعام 1967.

ولكن اليوم يبدو المشهد مختلفاً إلى حد ما فلن يكرر الفلسطينيون ما سبق حتى لا تكون الهجرة هجرتين، والنكسة نكستين، فغزة التي احتضنت جراحهم وآلامهم، خوفهم وطمأنينتهم، ما زال فيها متسع لاحتواء مزيد من الآمال والآلام، يخيل لأبنائها برغم ضنك العيش فيها بأنها خير من قصور الدنيا وما فيها.

هكذا عبر النازحون عن مشاعرهم بعد توقف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عن دفع بدل الإيجار لـ1612 عائلة متضررة بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، ما يعني تفاقم أزمة هؤلاء المتضررين من الأسر والذين لا يملكون في الغالب مصدر دخل ثابت ومناسب يلائم احتياجاتهم المعيشية.

وظروف حياتهم الصعبة والتي ازدادت وتيرتها منذ أن أصبحت منازلهم ركاماً وقلبت الطائرات الإسرائيلية أحلامهم رأساً على عقب.

تركوا منازلهم والطائرات الحربية للاحتلال تحوم من فوقهم كما الغربان، فكل شيء في غزة كان مهدداً حينها، هم خرجوا من بيوتهم على أمل أن تنجو أرواحهم من مغبة الموت، وهذا ما فعلته مئات بل آلاف من العائلات في قطاع غزة في مشهد يذكره الكثيرون كيف حمل الناس ـ سيما الذين يسكنون في المناطق المتاخمة للحدود الإسرائيليةـ أمتعتهم، وأطفالهم على أكتافهم.

وبعضاً من العجزة الذين لا يقدرون على الهرولة حملوهم على الأكتاف هاربين من قذائف عشوائية لم تفرق ما بين طفل وعجوز، متجهين إلى مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، كونها حصناً منيعاً يتوارون خلفه.

وهناك في المدارس كانوا يعانون الأمرين جراء تكدس الناس فوق بعضهم البعض، وانعدام مقومات العيش الصحي السليم، وقلة عدد المرافق، وكون المدارس أصلاً بيئة لا تصلح للاستقرار الأسري والمبيت في ظل وجود صعوبة بالغة في تعايش كثيرين مع الظرف الراهن حينها.

حجارة متفرقة

وحين وضعت الحرب أوزارها، عاد هؤلاء النازحين لبيوتهم، ليصبحوا أمام واقع جديد قد يضاهي في قسوته العيش داخل المدارس فمنازلهم باتت حجارة متفرقة هنا وهناك، تفرقت معها أمانيهم وجمعهم، فكما كان طريق الذهاب للإيواء داخل المدرسة وعراً وصعباً، صار الرجوع إلى منازلهم أشد صعوبة.

فمن ذا الذي أن يتقبل بأن يصبح بين ليلة وضحاها بلا مأوى في ظل سياسة غاشمة تبنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، تمثلت في استهداف منازل المدنيين وتدميرها، ووفق ما تحدثت عنه الأمم المتحدة عن حصرها للأضرار.

فقد صرحت «الأونروا» أن عدد المنازل المدمرة قد بلغ 100 ألف منزل كان يسكنها حوالي 600 ألف فلسطيني ما بين تدمير كلي وتدمير جزئي بليغ وتدمير جزئي، بعدها قامت الوكالة بدفع بدل الإيجار لعائلات دمرت منازلها، هذا عدا عن عائلات قد أعيد بناء منازلها ضمن إعادة الإعمار للمنازل والمنشآت في قطاع غزة، ولكن يبقى هناك أكثر من 1500 عائلة ما زالوا يكابدون ويلات التشرد وعدم الاستقرار.

أحد المتضررة منازلهم أثناء العدوان على غزة وممن توقفت «الأونروا» عن دفع بدل إيجار له ولعائلته يتحدث قائلاً عن مأساته «في صبيحة اليوم الذي هربنا فيه من صوت القصف وهرب الحي بأكمله معنا، كنت أدرك في قرارة نفسي أننا سنعود والمنطقة برمتها مدمرة، حين عدنا لم تكن ملامح المنطقة كما عهدناها، اليوم أنا وأسرتي نعاني الأمرين فحتى بدل الإيجار الذي تدفعه الوكالة لنا هو للإيواء فقط.

نحن نحتاج لما هو أكثر نحتاج لبيوتنا أن تعود كما هي، كما كانت عليه من قبل، نحتاج بيئة صالحة للعيش الكريم الذي يسعى إليه كل فرد، العدوان الأخير سرق منا الكثير من الأحلام .

ولا يزال فمنذ انتهاء العدوان وحتى الآن ونحن نقاسي تداعياته، لدينا أطفال وأقل عدد أفراد أسرة من هذه الأسر أربعة أفراد، لا أدري أي معاناة أشرح وعن أي معاناة أتكلم، الصورة تشرك كثيراً عن المعاناة ونحن نطالب المانحين ووكالة الغوث بإيجاد حل لهذه المشكلة وفي أقرب وقت ممكن».

ويضيف قائلاً «نعتمد على المعلبات في وجباتنا التي تقتصر على اثنتين خلال النهار، فلا نستطيع الطبخ هنا، مع أن متطلبات أطفالنا قد تتعدد ونحن غير قادرين على تلبيتها، كل ما نأمله هو النظر إلينا بعين العطف والرحمة، ليس لدينا ما يكفينا من الطعام ولا الشراب ولا الأغطية، ننادي بأعلى صوتنا نريد حلاً دائماً غير مؤقت، قبل أربع سنوات خرجنا من المدرسة ولم يكن في بالنا أن نعود إليها مرة أخرى.

لكن الظروف تغيرت واضطررنا للعودة إليها مرة أخرى بعد عدم تمكننا من دفع الإيجار، نتيجة لتوقف (الأونروا) عن دفع بدل إيجار عن بيوتنا المدمرة».

الأطفال في المدرسة لهم قصة أخرى تضاهي في الوجع وجع الكبار فإحداهن أحد عشر عاماً وقد بدا عليها من الحزن ما يوحي للناظر بأنها قد كبرت قبل أوانها تروي قصة حزنها قائلة «في البداية أكثر شيء أثر علي في هذه الفترة هو مستوى تحصيلي الدراسي، لا أستطيع كتابة واجباتي الدراسية .

كما ينبغي، أشعر أن المكان هنا غير مناسب للعيش فيه أنا وأسرتي، حتى صديقاتي لم أعد أراهم منذ أن دمر منزلنا قبل أربع سنوات، ألعابي وأغراضي قد ضاعت، أبي وإخوتي يحتاجون لكثير من الأشياء كذلك أمي أراها تبكي ما بين وقت وآخر، جميعنا، أنا وأمي وأبي وإخوتي نحلم بحلم واحد وهو أن يصبح لنا بيت يأوينا أنا وأسرتي حلم واحد لنا ولكل العائلات هنا».

حلم واحد واحتمالات عدة، وجوه شاحبة وعبرات خجلة صدحت فيها النساء وعبر عنها الرجال قهراً بالكلام، ولسان حال الجميع متى ستعود بيوتنا كما كانت وهل بوسع الحرب أن تعيد الأشياء كما كانت؟!

حلول دائمة

هذا التساؤل الذي يؤرق أذهان العائلات هنا لن يجيب عنه إلا حل واضح وسريع لهذه العائلات المشردة، بإيجاد حلول دائمة لها بعيداً عن حيثيات أزمات سياسة دولية انعكست آثارها على خدمات «الأونروا» المقدمة للاجئين الفلسطينيين وقت الأزمات والحروب والحصار، فتلك التقليصات لن يفهمها أطفال رضع باتت المدرسة مأواهم ومأوى الكثيرين ممن فقدوا بيوتهم.

جدران المدرسة باتت مكاناً لأن تلقى عليها ملابس، وأغطية، وفراش، فلا أثاث في المدرسة يستوعب الحاجة المعيشية لهؤلاء المشردين فيضطرون للقبول بأقل الإمكانيات إلى حين توافر حلول ممكنة تخلصهم من شبح النزوح والتشرد.

البرد قارص، والطعام شحيح، ووسائل التدفئة معدومة عدا عن الاكتظاظ الذي تشهده المدارس وحالة من التعب النفسي والجسدي الذي يحياه المشردون في ظل عدم وجود مأوى لهم يقيهم برد الشتاء ويدفع عنهم متاعب التشرد.

هذه صورة لمن فقدوا بيوتهم خلال العدوان الإسرائيلي، ومع توقف «الأونروا» عن دفع بدل الإيجار لهم، غدوا نازحين، وهناك صورة مماثلة على صعيد آخر، فثمة عائلات في قطاع غزة تعاني الفقر ولا تملك بيتاً ولا تقوى هي الأخرى على دفع إيجار منازلهم فتعاني مرارة الظروف وقسوة الحال في مشهد يعكس صعوبة الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة على معظم مواطنيه.

أستاذ علم النفس والاجتماع أحمد التري تحدث لـ«البيان» عن الأوضاع النفسية لمن هم داخل المدارس قائلاً «من المعروف أن هذه الأزمة هي تراكمات لأزمات عديدة يكابدها الناس في قطاع غزة.

فالاحتلال الإسرائيلي لم يترك فرصة لهؤلاء المدنيين بالعيش كما بقية الشعوب بل حاول ترك الأثر النفسي السيئ في نفوسهم من خلال هدمهم لمنازلهم خلال العدوان، فالاستقرار من الأشياء التي يسعى إليها كل فرد وهؤلاء فقدوا استقرارهم ومنازلهم.

الأمر الذي يندرج تحته أعباء كثيرة تلقى على كاهل رب الأسرة في قطاع غزة فبعد أن كان عليه أن يحصل قوت يومه لأطفاله، اليوم صارت المسؤولية أكبر فعليه تحصيل قوت أطفاله وتحصيل ثمن إيجار للمنزل الذي يسكنه وهذا يتطلب مبلغاً لا يستطيع معظم الأفراد في قطاع غزة تحصيله في ظل الظرف الراهن مما يعني مزيداً من الأعباء النفسية الملقاة على كاهل رب الأسرة وأفرادها .

وأن يصل هؤلاء الناس لمرحلة بأن يعودوا لتلك المدارس التي ذهبوا إليها قبل أربع سنوات من انتهاء العدوان فهذا يعني استرجاعاً لذكريات سيئة كانوا قد مروا بها خلال فترة العدوان، المكان ليس مؤهلاً للعيش والاستقرار الآدمي، الأطفال بحاجة للأسرة لكي يناموا عليها، الناس بحاجة لأغطية لطعام صحي، الأطفال بحاجة للعب للترفيه لمراجعة واجباتهم المدرسية للحصول على ملابس نظيفة.

وكل هذه مقومات مفقودة وفقدانها يؤثر على الواقع النفسي للأطفال وللكبار في آن». مرحلة نهارها كليلها، ربما لا اختلاف فيه في نظر من يكابدون حيثيات مرحلة آتت أكلها ثماراً عجافاً لا هي تسد الرمق ولا ينتفع بها، فأربع سنوات من الانتظار عاشها أصحاب المنازل المدمرة على أمل أن تعود بيوتهم كما كانت مليئة بالحب والحياة.

مؤشرات خطيرة بدأت تطفو على السطح بعد تقليصات«الأونروا»

 

ستة أشهر ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» متوقفة عن دفع بدل الإيجار للمتضررة منازلهم خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع، ستة أشهر يعيشها أصحاب هذه المنازل والخوف يملأ قلوبهم من تداعيات هذه التقليصات.

مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» ماتياس شمالي يقول حول هذه الأزمة إن الوكالة اتخذت إجراءات صعبة ومؤلمة نتيجة الأزمة التي تعاني منها ولا تزال تعاني عجزاً مالياً بقيمة 64 مليون دولار.

وأوضح أن هذه الإجراءات تضمن وقف دفع بدل الإيجار لـ1612 عائلة هدمت منازلها خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014 بالإضافة إلى بعض التقليصات في الخدمات التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين.

وأشار إلى أن «الأونروا» كانت تدفع بدل إيجار لنحو خمسة آلاف عائلة هدمت منازلها لكنه تم إعادة بنائها ما أدى لتقليص عدد من العائلات المتضررة. وأوضح قائلاً: «نحن نحتاج ما بين 300 ـ 400 مليون دولار لتقديم خدماتنا خلال عام 2019 المقبل»، مشيراً إلى أن العام الجاري كان صعباً على الوكالة على الصعيد السياسي والتمويل أيضاً خاصة بعدما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية قطع دعمها ومساعدتها للوكالة.

وأضاف أنه رغم الأزمة المالية ووجود عجز مالي إلا أن «الأونروا» لا تزال تقدم خدماتها للاجئين الفلسطينيين وخاصة لـ300 ألف لاجئ في قطاع غزة.

الباحث في الشأن السياسي الأستاذ سعيد المدهون يقول لـ«البيان» حول أزمة الوكالة «بداية تعد (الأونروا) كمؤسسة دولية هي الحاضن الأكبر للاجئين الفلسطينيين، ولقضيتهم المرتبطة بحق العودة لديارهم التي هجروا منها قسراً، وبما أنها مؤسسة دولية مخولة بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين فيجب تقديم خدماتها لهم.

ولما يمرون به من ظروف بلا توقف أو انقطاع دون الالتفات للموقف الأميركي الراهن من القضية الفلسطينية، فعلى صعيد المساعدات يجب أن تبقى تلك المساعدات مستمرة تعبر عن الالتزام السياسي والقانوني والإنساني من الأونروا إزاء اللاجئين الفلسطينيين.

وهذا يعني بأن الدعم المقدم ليس منة بل هو حق لهؤلاء المتضررين، وتبدو المؤشرات خطيرة إزاء ما يتعلق بتقليصات الأونروا التي بدأت تطفو على السطح منذرة بما هو أسوأ خاصة في ظل ازدياد معدلات الفقر وسوء المعيشة وعدد المواطنين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية».

ويضيف المدهون قائلاً «المشكلة أن الوضع الداخلي الفلسطيني يمثل هو الآخر صورة مأساوية تكبد أعباءها المواطن الفلسطيني بالدرجة الأولى، فتعثر جهود المصالحة وازدياد سنوات الانقسام الفلسطيني، والحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وتقليصات (الأونروا) كلها في مجملها تحديات ومعاناة يواجهها المواطن في قطاع غزة، الذي بات يحوي أعلى نسباً من البطالة والفقر.

فعلى الأقل وفي ظل هذه التحديات الراهنة يجب أن يكون إنهاء الانقسام الفلسطيني هو القرار الأول والرجوع للشرعية الفلسطينية هي الخطوة الأولى والتي من خلالها مواجهة ما يحاك للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات