ريبورتاج

وعد بلفور.. 101 سنة وفلسطين تمشي على الأشواك

■ بلفور ونص وعد من لا يملك لمن لا يستحق | أرشيفية

قبل بضعة أيام، دخل وعد بلفور المشؤوم عامه الأول بعد المئة، وما زالت فلسطين تمشي على أشواك ذلك الوعد الذي قدّم فلسطين للحركة الصهيونية «وطناً قومياً» على أنقاض شعب كامل.

فلسطين قبل وعد بلفور شيء، وبعده أصبحت شيئاً آخر. من بوسعه أن يتخيل غريباً يدخل وطنه ويملك القرار والوعد بالاستقرار فيه على الرغم من رفض أصحاب البلاد وأهلها؟ ليست المقاومة، ولكنها الفطرة في دفع الغريب وصون الأرض والعرض، ليس الضياع والظلم، لكنها المخاوف التي أرّقت مضاجع الفلسطينيين من يومها حتى الآن.

كان الفلسطينيون قبل الوعد يملكون وطناً لهم وحدهم، وبعد الوعد جاء غريب يشاركهم وطنهم مساحة وخيرات واقتصاداً وتجارة وسياحة، عابثاً بمقوماته طمعاً ومشروعاً استعمارياً. الفلسطينيون يهبطون حيناً ويصعدون في مقاومته حيناً آخر، لكن القلوب لم تكفَّ لحظة إدراكاً ويقيناً وعملاً بأن الشر زائل، كما يزول الخبث من أرض طاهرة المنبت والمقام.

الناس كانوا بسطاء تحت الانتداب البريطاني وقبله، والآن وفي كل زمان يبقى الفلسطينيون هم الشيفرة الأهم للصمود في وجه المحتل. كانت خيرات الأرض كثيفة، يحط الطير فيها ويرتفع محلقاً في سماوات فوق أرض من فرط جمالها تغنى فيها الشعراء وأنشأوا القصائد والأناشيد. كانت حياة اجتماعية متماسكة الأعراف والتقاليد.

كانت ثمّة تجارة تربح وتخسر، كانت الزراعة عمود اقتصاد هذا البلد وازدهاره. كان وطناً واحداً، ضمن بوتقة اجتماعية وسياسية وجغرافية واحدة، ولكنّ شيئاً لم يعد كما كان، الوجوه تغيّرت كما الأمكنة التي اقتسمت وتغيرت ملامحها زوراً وبهتاناً، ليبقى ملح الأرض ممثلاً برفض الواعد والموعود، هو الشاهد الأبرز على صمود هذا الشعب وأحقيته بوطنه بعد مرور العام الأول بعد المئة عام على مؤامرة بلفور.

طامعون

ربما لا يجدي الاعتذار نفعاً في هذا المقام، فكل الوعود باطلة طالما هي وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق. كانت الدولة العثمانية في أواخر عهدها تسمى «الرجل المريض»، ولكم كثر الطامعون حول الغنيمة بعد ما استغلوا ضعف الولاة وهزيمتهم إبان الحرب العالمية الأولى التي انعكست هزيمة الدولة العثمانية فيها على فلسطين وجزء من بلاد الشام، باعتبارهما كانتا تحت السيطرة العثمانية.

ولكن أحداً لم يكن يدري أن خيوطاً من المؤامرة تحاك في ليل بهيم، تداخلت فيه مطامع الاستعماريين ورغبة بريطانيا في منح اليهود وعد بلفور الذي يضمن إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.

عصابات أنشأت دولة وأهدافاً ومطامع مرتبطة بحرب بريطانيا ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، التي سعت فيها بريطانيا لكسب تعاطف اليهود ولأهداف أخرى تروى هنا وهناك، كلها بشكل أو بآخر أسهمت في توطين عصابات الصهيونية على أرض فلسطين، وطرد أهل البلاد منها بمنطق العنف والقوة.

تحقق وعد بلفور المشؤوم، وتم تحويل فلسطين إلى «وطن قومي» لليهود. وعلى الرغم من نص قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة إلى دولتين مناصفة، فإن إسرائيل تقوم اليوم على أكثر من 70% من أرض فلسطين التاريخية وتسيطر على البقية بالاحتلال كذلك، وما زال المشروع التدميري والإجلائي الإحلالي يطمع بالمزيد.

وقف الغرب، ورأس المال العالمي، إلى جانب رؤية بلفور، ولم يتوانوا لحظة واحدة عن التشمير لمساعدة إسرائيل بأموالهم وأسلحتهم وإصدار الوعود للتوسع.

دعم غربي

مئة عام وعام مرّت على الذكرى المؤلمة، ذكرى وعد بلفور المشؤوم، الذي تم التوافق عليه ودعمه من أقطاب رأس المال الغربي بعد إصداره مباشرة في الثاني من نوفمبر عام 1917، والذي ينص على إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وفي تلك الفترة تدافع مئات الآلاف من اليهود، لاستعمالهم وظيفياً في خدمة رأس المال الاستعماري، بهدف التمزيق والتفتيت.

لم يقف الغرب ممثلاً بدولة الانتداب البريطانية في البداية بتأمين بعض المتطلبات البشرية واللوجستية والعسكرية والمالية والاقتصادية والقانونية لإقامة الوطن القومي لليهود، بل فتحوا كل الأبواب الموصدة للسيطرة على أوسع مساحة من أرض فلسطين، مع أن اليهود في ذلك الزمن لم يكونوا بحاجة إلى أرض فلسطين، لأنهم كانوا بالفعل يعيشون في دول ولدوا فيها وينتمون إليها.

وتشربوا فيها اللغة والثقافة، ولكن زعماء الدول الرأسمالية أرادوا أن تجري الأمور كذلك، وفي مؤتمر كامبل نبرمان عام 1905/‏‏‏‏ 1907 قرروا وجود «الوطن القومي»، ونفخوا في روح اليهودية، لترتكب محرقة ضد الفلسطينيين بشكل خاص، والعرب بشكل عام.

وعلى الرغم من كل هذا الظلم التاريخي المفضوح والمكشوف أمام الأمم، الذي وقع على الشعب الفلسطيني، ونتجت عنه نكبة عام 48 التي شرد نتاجها أهل الأرض الأصليين من وطنهم في مشهد لم يشاهده الصغار إلا في المسلسلات. نحو مليون إنسان فلسطيني خرجوا من ديارهم حفاة، تركوا كل شيء في مكانه على أمل عودة قريبة خلال أيام أو أسابيع معدودة.

مليون لاجئ أصبحوا اليوم قرابة ستة ملايين في أرجاء المعمورة. قبلت القيادة الفلسطينية بالمساومة التاريخية، ليس على أساس قرار التقسيم رقم 181 الأممي، الذي أقرته الشرعية الدولية في 29 نوفمبر 1947، بل على نصف ما تضمنه ذلك القرار، أي إقامة الدولة الفلسطينية على مساحة الـ22% من فلسطين التاريخية.

وعاصمتها القدس الشرقية، وتقرير المصير عليها غير أن إسرائيل ترفض ما يتناقض مع مشروعها. كما تماهت الإدارة الأميركية الجديدة مع المواقف الإسرائيلية.

لا تكرار

نظروا إلى اليهود حينها بعين العطف وفق نص الوعد الصادر عن الحكومة البريطانية، لكن هذا العطف قد خلّد الصراع العربي الإسرائيلي الذي نجمت عنه مآسٍ وصراعات وحروب، أخذت القضية الفلسطينية والمنطقة برمتها إلى منعطف أفرز أطول احتلال في التاريخ.

الباحث والمؤرخ الفلسطيني عبد الله الزق يتحدث عن بطلان هذا الوعد قائلاً: هناك أسباب كثيرة وأهداف قيلت في التاريخ عن قيام بريطانيا بهذه الخطوة الرامية إلى إنشاء وطن لليهود في فلسطين.

لكن وعد بريطانيا هذا ينبع من مصلحة مشتركة ومتقاربة مع الحركة الصهيونية، هذا الوعد الذي أحدث شرخاً واضحاً في تقاسيم هذا الوطن وحدوده ، لم يكن بدون مساعدة بريطانيا على تحقيق هذه المؤامرة بحق الشعب الفلسطيني ، وقبل إصدار الوعد فعلاً، تبنّت بريطانيا أساليب قمعية عدة بحق الفلسطينيين أثناء وقوعهم تحت حكم الانتداب ، وكأنها بذلك تحاول إرضاء الحركة الصهيونية

هذا الوعد سبقته وعود أخرى في خضم ظهور الحركة الصهيونية، وسعت دول الغرب لبناء وطن قومي لها، ومن تلك الوعود وعد «نابليون بونابرت» ووعد «دون أيلونبرغ»، وكان آخرها وعد بلفور، حين بعث اللورد آرثر بلفور رسالة في الثاني من نوفمبر عام 1917م إلى اللورد «روتشيلد».

وقد كان حينها من أبرز زعماء الحركة الصهيونية، جاء فيها أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، كما جاء في نص الرسالة.

أرض وشعب

ويضيف الزق: وبعد صدور الوعد، قاوم الفلسطينيون بكل ما لديهم لصد هذه المؤامرة، وإثبات أن فلسطين أرض بشعب، وليس كما روّج الصهاينة آنذاك بأنها أرض بلا شعب، ومن مظاهر انتفاض الفلسطينيين في وجه وعد بلفور والعصابات الصهيونية انتفاضة النبي موسى عام 1920، وانتفاضة يافا عام 1921، والثورة الأشهر عام 1929، وهي ثورة البراق، إضافة إلى العديد من الاحتجاجات والإضرابات التي كانت تنادي بضرورة رحيل اليهود عن أرض فلسطين.

من ناحية النتائج التي أفضى بها هذا الوعد الباطل، يمضي الزق قائلاً: بناءً على هذا الوعد المشؤوم، شرعنت العصابات الصهيونية وجودها على أرض فلسطين عبر الحماية والغطاء الذي قدّمته لها بريطانيا من أجل مساعدتها على استكمال المؤامرة.

وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة أعداد المهاجرين إلى أرض فلسطين، وتأسيسهم بعد ذلك بسنوات دولة لهم، وأية نتيجة هي أبشع وأسوأ من هذه النتيجة التي ما زالت تداعياتها تضرب خاصرة الفلسطينيين وجعاً من حينه حتى هذه اللحظة.

وبعد 101 عام بالتمام والكمال على وعد بلفور، ها نحن اليوم نعيش مرحلة الظلم من جديد بوعد «دونالد ترامب»، لكن إذا كان المناخ الفلسطيني والعربي والدولي أتاح للغرب تمرير وعد بلفور، فإن وعد ترامب لن يمرّ. وعلى الرغم من أن المعطيات والمؤشرات الدولية والإقليمية تميل لمصلحة الاحتلال، فإن الإرادة الفلسطينية والعربية وقفت في وجه مواقف ترامب بشأن القدس والقضية الفلسطينية عموماً.

«بلفور» خلّف «النكبة» و«النكسة»

وعد بلفور المشؤوم مهد لنكبة عام 1948، التي هجر فيها الفلسطينيون من أرضهم قسراً، إذ كان عددهم آنذاك نحو 750 ألف فلسطيني حملوا على أكتافهم سنين من التشرد بين أصقاع الأرض، ليصبحوا بلا وطن، ليس ذلك فحسب بل عمدت إسرائيل حينها إلى ارتكاب أفظع المجازر ضد الفلسطينيين من قتل وتشريد وتزييف في أسماء المدن والقرى الفلسطينية الأصلية.

مرت السنون ولم تتبدد تلك المأساة ولم تنضب في وعي الفلسطينيين أصالة هويتهم العربية الفلسطينية، فما زال المفتاح بيمينهم وما زالت الأذهان قبل الشفاه، تذكر الأوطان في كل لحظة، لاجئون من كل بلدان العالم لم تنسهم السنون، ولم تمح من ذاكرتهم الأوطان وحقهم في الرجوع إليها.

وفي محاولة إسرائيلية لفرض مشهد جديد كانت حرب الأيام الستة في يونيو عام 67، التي أسفرت عن احتلال إسرائيل للضفة والقطاع وصحراء سيناء وهضبة الجولان.

ولم تكتف إسرائيل بأساليبها الاستفزازية تجاه الفلسطينيين من أسر وقتل واستيطان وممارسات عنجهية، ليدخل الفلسطينيون مراحل متتالية من الانتفاضات الشعبية السلمية التي قابلتها إسرائيل بالعنف الممنهج.

ففي ديسمبر عام 1987 اندلعت انتفاضة الحجارة التي راح ضحيتها ما يزيد على ألف شهيد فلسطيني، وآلاف الجرحى والأسرى، وشكلت علامة فارقة في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، يوم أن واجه الحجر آليات الاحتلال.

وفي سبتمبر 2000، اندلعت انتفاضة الأقصى التي فرضت معادلات جديدة على الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، حيث استمرت لخمس سنوات متتالية استشهد فيها أكثر من أربعة آلاف فلسطيني وأصيب عشرات الآلاف.

تحوّلات

الباحث في الشأن السياسي سعيد المدهون يقول: المسار السياسي للقضية الفلسطينية شهد منذ قرن تحولات دراماتيكية وجذرية أفصحت عن أمور عدة، أبرزها سعي هذا الاحتلال لسلب ما ليس له، بدءاً من وعد بلفور وحتى ما يمارسه من مشاريع استيطانية في الضفة الغربية اليوم، علاوة ما تتناقله وسائل الإعلام عن صفقة قرن الهدف منها محو القضية الفلسطينية والقضاء على المشروع الوطني الفلسطيني.

وأضاف «أفصح هذا المشهد عن صلابة شعبنا ومقاومته لكل المؤامرات التي تحاك ضده وضد قضيته، فلا إسرائيل ولا حتى الإدارة الأميركية بمقدورها الوقوف أمام صمود هذا الشعب الذي ذاق الأمرين أجداداً وآباء وشباباً وأطفالاً». ويضيف المدهون:

وعلى صعيد الشأن الداخلي الفلسطيني، فلا بد من تحقيق الوحدة التي بها يقوى الفلسطينيون وتقطع الطريق أمام كل متخاذل يسعى لفرض أبجديات ورؤى جديدة على قضيتنا الفلسطينية لا تتسق مع أهداف هذا الشعب ونضالاته التي يسعى إليها منذ زمن طويل، نراهن ونحن نقرأ المشهد على الأصوات التي هتفت «عائدون»، تلك الجماهير أثبتت أن الحق لا يضيع طالما وراءه مطالب مهما مضت عليه السنون.

تعليقات

تعليقات