«الحوت الأزرق» صنّارة موت تصطاد الأطفال والمراهقين - البيان

عامل الجذب أن اللعبة تؤمّن للأطفال مكاناً افتراضياً يحاولون إثبات أنفسهم فيه

«الحوت الأزرق» صنّارة موت تصطاد الأطفال والمراهقين

الحوت الأزرق

من شرفة المنزل في بلدة قراوة بني زيد المتربّعة على تلتين متقابلتين في منتصف المسافة بين رام والله ونابلس، كان ممكناً في تلك الليلة سماعُ زقزقة طيور تتقافز على أغصان الشجر، ممتزجاً بصوت حفيف الأشجار الذي لم يكسره سوى صراخ في منزل يبعد قرابة 200 متر عن المكان الذي نحن فيه. أدركنا أن ثمّة أمراً ما خطيراً. استمر الصراخ يعلو ويهبط ويتموّج، وأصوات تدعو للهدوء.

هرعنا إلى حيث الصراخ، واقتربنا من المنزل، ومن حُسن الحظ أنه لأحد الأقارب. أسرة في حالة استنفار وتوتّر.. طفلة في الحادية عشرة من عمرها يحيط بها ذراعا أمّها، فيما يتسمّر الجد مشدوهاً ويبدو كواقف على رؤوس أصابعه فيما كان جالساً على الكرسي الخشبي. ما إن اقتربتُ من وسط الشُّرفة حتى جدّدت الطفلة صراخها محاولة الهرب من أمامي وكأنني وحش يهمّ بافتراسها. قاومت ذراعي أمّها بعنف وأفلتت منهما.. ذهبت مسرعة إلى المطبخ وبحثت عن سكّين.

مشهد مرعب لم أشاهد مثله. بعدما هدأت أنفاسي وانتظمت دقات قلبي، بادرت الجد بالسؤال: ما الذي يحدث؟ عضّ على شفتيه وهزّ رأسه قائلًا: إنها «لعبة» حقيرة اسمها «الحوت الأزرق». يا إلهي! تعاملت مع خبرين أو ثلاثة حول هذه المسمّاة زوراً وتضليلاً «لعبة»، مع أنها وصفة للهلاك الفردي والجماعي. كانت أخباراً عن حالات انتحار في عدد من الدول، منها عربية، بطلها هذا «الحوت اللعين». لكنني الآن أشاهد، بأم عيني، حالة حيّة عن ظاهرة لم تكن حتى تلك اللحظة لتخترق خلايا الاقتناع في رأسي.

كنت أرجّح أسباباً غير معلنة لحالات الانتحار، ولا يريد الأهل البوح بها لأسبابهم الخاصة، وأعتبر أن «الحوت الأزرق»، إخراجاً تبريرياً، على غرار تبرير «السحر» و«الحجاب» لمن يعانون مشاكل معيّنة يخفونها عن ذويهم. هذه حالة تحدث أمامي.. فتاة من أسرة هادئة مكافحة كادحة خلوقة. بيئة لا تسمح بأي احتمالات سلبية تدفع طفلة لهذه الحالة الموجعة حد البكاء الصامت.

أسئلة للجد

•سألت الجد: كيف عرفتم أنها «لعبة الحوت الأزرق»؟

- هذا ما رأيناه على جهازها الخليوي، بعد أن بدأت حالتها تسوء.

•ألم تنتبهوا إلا حين وصلت إلى هذا الحد من الخطورة؟

- لاحظنا قبل حوالي الأسبوع تغيّرات طرأت عليها. أصبحت مكتئبة وتجلس وحدها، تحدّق فينا بلا كلام، وتنتابها العصبية بلا سبب أو لأتفه الأسباب. وعندما وصلت الذروة قبل ثلاثة أيام بدأت بالصراخ وذهبت للمطبخ وحملت السكين وحاولت طعن نفسها، ومنعناها في اللحظة الأخيرة.

• وكيف تصرفتم بعد ذلك؟ أبلغنا الشرطة الفلسطينية والأجهزة المعنية الأخرى بالأمر، واضطررنا مرّتين لنقلها إلى المستشفى، وفي المرّتين أعطوها حقنة لتنام.

أثناء الحديث كانت الفتاة تحاول على الدوام الإفلات من ذراعي أمّها، وحين تنتقل الرعاية للجد تحمل الأم جهازها الخليوي لتصور ابنتها تصويراً حيّاً وتنقله لزوجها في أميركا، لعلّه يستشعر الخطورة ويعود إلى وطن ابنته.

الجميع في حالة وجوم وصمت يكسره صراخ الطفلة بين الحين والآخر. حين تكفّ عن الصراخ تستمر في التنهيد والشهيق بأنفاس متقطّعة. كان رأسي يضجّ بالأسلحة والغضب من الوجه الأسود للتكنولوجيا. إنه الخطر الكامن في ترك أبنائنا وبناتنا يتفاعلون مع هذه الأجهزة اللعينة بلا رقابة وتوعيّة. إنهم فلذات أكبادنا التي تمشي على الأرض، فهل يمشون على أرض آمنة أم نتركهم يغوصون في الأوحال؟

لعبة شيطانية

• ماذا تفعل هذه «اللعبة» الشيطانية بالمراهقين والأطفال، باعتبارهم المستهدفين تحديداً من خلالها؟

بعد البحث والاستماع إلى ضحايا نجوا قبل الهلاك يتضح أن «الحوت الأزرق» ليست لعبة تقليدية، وليس لها تطبيق خاص، وهنا مكمن الخطورة الذي يبعدها عن المراقبة الأسرية، حيث إن التطبيق يمكن مشاهدته وشطبه.

هي تشبه طلب الصداقة، حيث يعمد مديرو «اللعبة» إلى الاتصال بحسابات رصدوها في مواقع التواصل، وحين يستجيب أحدهم للطلب يبدأ طريق الموت بطلب معلومات بسيطة وعادية، ثم تتدرّج حتى رقم «50» في نهاية اليوم الخمسين، وهو الطلب من المستهدف أن ينتحر، ويكون حينها في حالة نفسية تجعله لا يتردد في تنفيذ الطلب.

عامل الجذب الرئيسي للأطفال نحو لعبة الموت «الحوت الأزرق» هو أنها تؤمِّن لهم مكاناً افتراضياً يحاولون إثبات أنفسهم فيه، لاسيما أولئك الأطفال غير المندمجين مع محيطهم، وبعد أن تشعرهم هذه اللعبة بالانتماء وبأنهم أشخاص مهمّون وذوو سلطة، تنقض عليهم نحو الهاوية.

مخترع هذه اللعبة القاتلة يمتلك من الذكاء ما جعل جوهر اللعبة يقوم على «التحدي»، وهي فكرة محبّبة لدى المراهقين. قبول «التحدي» يقود المراهق لسلوك طريق دون أن يعرف أن نهايته الموت، حيث اعتاد على أن ألعاب تنتهي بالفوز أو الخسارة، وفي الحالة الثانية يمكنه أن يبدأ من جديد. هنا، مع «الحوت الأزرق»، ليست هناك بداية جديدة؛ لأنها تنتمي لذلك النوع من المخاطر التي يكون فيها الخطأ الأول هو الخطأ الأخير.

البدايات من روسيا

بدأت «اللعبة» في روسيا عام 2013 مع مجموعة تسمى «F57»، بصفتها واحدة من أسماء ما تسمى «مجموعة الموت» من داخل الشبكة الاجتماعية «فكونتاكتي»، وتتحدث تقارير عن أنها تسببت في أول انتحار عام 2015.

انطلاق الضوء الأحمر كان عبر انتحار الطفلة أنجلينا دافيدوفا (12 عاماً) في روسيا، بإسقاط نفسها من الطابق الرابع عشر، والطفلة الأوكرانية فيلينا بيفن (15 عاماً)، التي قفزت من الطابق الثالث عشر، كما توفيت طفلة (12 عاماً)، في السعودية، ثم تناقلت وسائل الإعلام خبر انتحار طفلين في الجزائر، وحالات مشابهة في الجزائر، بسبب لعبة «الحوت الأزرق».

لعبة الموت هذه تتكون من 50 مهمة على مدى 50 يوماً، تستهدف المراهقين بين 12 و16 عاماً، وبعد أن يقوم المراهق بالتسجيل لخوض التحدي، يُطلب منه نقش الرمز التالي (F57) أو رسم الحوت الأزرق على الذراع بأداة حادة، ومن ثم إرسال صورة للمسؤول للتأكد من أن الشخص على قدر «التحدي» ودخل في اللعبة فعلاً.

في الخطوة التالية يعطي مدير اللعبة الضحيّة أمراً بالاستيقاظ في وقت مبكر جداً، عند الرابعة فجراً مثلاً، ليجد أمامه مقطع فيديو مصحوباً بموسيقى تبعث على الكآبة، وتتصاعد الطلبات لتشمل أفلام رعب والصعود إلى سطح المنزل أو الجسر والسير على سور بهدف التغلب على الخوف.

وفي منتصف الطلبات الخمسين يُطلب من الضحية محادثة أحد مديري اللعبة لإعطائه معلومات عن أهله وأرقام هواتفهم لكي يكسب «الثقة» ويتحوّل إلى «حوت أزرق»، ثم تبدأ مرحلة جديدة ونوعية من الخطورة، إذ يُطلب من الضحية ألا يكلم أحداً من أهله عن الموضوع، وأن يستمر في إيذاء نفسه بجروح مع مشاهدة أفلام الرعب، وفي اليوم الخمسين يُطلب منه الانتحار إما بالقفز من النافذة أو الطعن بسكين أو خنق نفسه.

لكن ما بعد الثلث الأول من اللعبة يدخل الضحية في حالة تورّط، بحيث إذا حاول الانسحاب من اللعبة فإن مسؤوليها يهددونه ويبتزونه بالمعلومات التي أعطاهم إياها، ويهددونه بقتله وأفراد عائلته.

تعدّدت حالات الانتحار

شهدت العديد من المدن العربية والعالمية حالات انتحار مرتبطة بـ«لعبة» الحوت الأزرق القاتلة؛ ما دفع العديد من الدوائر والمؤسسات للدعوة لمزيد من اليقظة والرقابة على الأطفال والمراهقين.

في أبريل الماضي انتحر فتى يبلغ من العمر 18 عاماً، ليكون بذلك الحلقة الأحدث في سلسلة لعبة الموت التي أودت بحياة عدد من المراهقين في مصر.

وفي الكويت، حقّقت السلطات في يوليو الماضي في 3 حالات انتحار خلال أقل من شهر يُعتقد أنها مرتبطة باللعبة. وبحلول ديسمبر الماضي كانت «اللعبة» قد حصدت 5 أطفال في الجزائر.

وفي تونس، حتى 12 مارس 2018، انتحر 7 أطفال تونسيون جراء اللعبة. وكانت الشرطة في مدينة سوسة تدخلت لإنقاذ طفلة (12 عاماً) من الموت حينما كانت تهمُّ بالخوض في مياه البحر بملابسها تنفيذاً لتعليمات «اللعبة» على هاتفها المحمول. وفي المغرب، انتشرت لعبة «الحوت الأزرق» في الآونة الأخيرة، خاصة في صفوف المراهقين.

وتسببت في محاولات انتحار كثيرة، وتعد أبرز حالة هي وفاة أحد المراهقين بمدينة أكادير جنوب المغرب، يُذكر أنه بعد تنفيذه تحديات اللعبة أقدم على الانتحار برمي نفسه من سطح العمارة التي يسكن بها؛ استجابة للتحدي الأخير في اللعبة.

وفيما شهد الأردن والمغرب أولى ضحايا اللعبة القاتلة، سجّلت العديد من الحالات في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا والبرازيل والهند وبلغاريا وبنغلاديش وغيرها.

 

طالب مطرود من الجامعة وراء «الجريمة» الرقمية

في 2016، شهدت اللعبة في روسيا استخداماً أوسع بين المراهقين، بعد أن جلبت الصحافة الانتباه إليها من خلال مقالة ربطت العديد من ضحايا الانتحار بها، وخلق ذلك موجة من الذعر في روسيا، وفي وقت لاحق أُلقي القبض على فيليب بوديكين (21 عاماً) ــ وهو طالب علم النفس السابق الذي طُرد من جامعته لابتكارهِ اللعبة ــ والذي زعم أن هدفه «تنظيف» المجتمع من خلال دفع الناس إلى الانتحار، معتبراً أن ضحاياه يقدمون عليه وهم «سعداء»، لكنه أدين بالتحريض، ودفع ما لا يقل عن 16 فتاة مراهقة إلى الانتحار، وحُكم عليه في يوليو 2017 بثلاث سنوات من السجن بعد محاكمته في سيبيريا.

ويقبع بوديكين حالياً في السجن، فيما تؤكد صحيفة الديلي ميل البريطانية أن المجموعات الخاصة باللعبة في صفحات التواصل الاجتماعي التي تميز نفسها برمز F57 قد تم إغلاقها من قِبل إدارة الموقع.

بدأ بوديكين محاولاته عام 2013 بدعوة مجموعة من الأطفال إلى موقع على شبكة الإنترنت، وكلفهم بجذب أكبر قدر ممكن من الأطفال، وطلب منهم تنفيذ مهمات بسيطة، ومن الطبيعي أن ينسحب عدد منهم.

يُكلف من تبقى بمهمات أصعب وأقسى، لكي ينسحب عدد آخر، أما القلة التي تنفّذ كل ما يطلب منها بشكل أعمى هي التي تستمر في «العمل»، وهذه المجموعة الصغيرة تكون على استعداد لفعل أي شيء للبقاء ضمن السرب.

 

عزلة الأبناء توقعهم فريسة «الألعاب» القاتلة

يؤكد اختصاصيون نفسيون أن الفضول وحب العزلة والوحدة وحب التحديات أهم الأسباب التي تدفع الأطفال والمراهقين إلى إدمان «لعبة» الحوت الأزرق وغيرها من الألعاب الإلكترونية القاتلة وتنفيذها، حتى لو كان فيها إيذاء أنفسهم وقد تودي بهم إلى الموت والانتحار.

ويؤكدون أيضاً أن الأطفال في المرحلة العمرية بين (8 إلى 15 عاماً) لديهم حب الاستطلاع والرغبة في اكتشاف المجهول، فهذه المرحلة العمرية حرجة جداً، حيث إن الطفل فيها لا يميز بين الذي يفيده والذي يضره، ولا يرى خطورة هذه اللعبة على حياته، وقد يصبح الشخص ميّالاً إلى العنف وارتكاب الجرائم وإيذاء نفسه بطريقه لا شعورية، وبدون تفكير في النتائج والعواقب، ورؤية الطفل بصفة مستمرة للدم والسكين والأدوات الخطرة كالسلاح تجعله لا يخاف منها ويستخدمها من دون خوف.

ويؤكد اختصاصيون أن هذه اللعبة سائدة بين المراهقين والمراهقات، الباحثين عن الإثارة بمفاهيمها الحسية والعاطفية، حيث إنها مبنية على طريقة مخيفة ومرعبة، وضلوع المراهقين في اللعبة على نحو حسي ونفسي يجعل اللاعبين فاقدي السيطرة على التحكم بالذات والرقابة على الوتيرة الحسية والنفسية التي تضعف بسبب المواقف الإيحائية، حيث يأخذ اللاعب الأوامر من الطرف الثاني الذي يسيطر عليه. أما المعرّضون للوقوع في شرك اللعبة فهُم مراهقون يعانون عزلة نفسية واجتماعية وميولاً اكتئابية ونيات لأذى الذات.

ويقول اختصاصيون إن «غياب التوجيه والمتابعة من قِبل الوالدين يسهم في وقوع الأطفال في المحظور، فينفذون توجيهات اللعبة وتحدث الكارثة، ولا يفيد ندم الوالدين وحسرتهم بعد وقوع المحظور.

ويؤكد هؤلاء أنه حين يفقد الإنسان ذاته ويصبح على صلة مع قوى أو عوامل خارج نفسه، ويصبح (الأنا) الذي يتحكم بالمفاهيم السلوكية والعاطفية والنفسية، يسلّم لعوامل خارجية، ويسلّم الذات للمسيطِر، وبسبب حالة تشوّش الوعي والاتصال بالواقع يصبح الضحية مشرذماً غير ثابت ومتعلقاً بالعوامل الخارجية المسيطِرة عليه، لذلك لا يجوز ترك الأطفال يجلسون بمفردهم في غرفهم، بل ينبغي تشجيعهم على القيام بالأنشطة الأخرى كالأنشطة الرياضية والبدنية التي تؤدي دوراً كبيراً في تحسين سلوك الطفل.

وبالتالي يطالب الاختصاصيون الأهالي بمنح أولادهم الثقة وغرس القيم والضمير داخلهم من أجل حمايتهم من الوصول إلى مرحلة الاكتئاب أو الانغماس في لعبة مثل «الحوت الأزرق»، التي انتشرت بشكل كارثي الفترة الأخيرة بين الشباب وأدت إلى حالات انتحار.

وعن الطريقة التي نحمي بها أبناءنا من الوقوع فريسة ألعاب مميتة، قالت: «علينا أن نغرس فيهم قيم وضمير وتنمية الثقة بيننا». وأضافت: «يجب أن نجعل بيننا وبينهم ثقة وعلاقة سوية عن طريق منحهم طريقة تحمي حياتهم، لتكون عندهم ثقة بأنفسهم وشخصيتهم. دبي - البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات