لاجئو سوريا.. بين «عسل» الحنين و«سم» الهاجس الأمني

هو لم يكن يفكّر أنه سيعود والنظام لازال قائماً، كان يعتقد بأن المسألة مجرد وقت قصير وسيعود بعدما تتحقق مطالب السوريين في الحرية والديمقراطية والعدالة، لكنّه يعتقد بأن «الوضع الراهن يشير إلى أن شيئاً من ذلك لن يحدث، وأن الكثير من دول العالم اجتمعت على إبقاء نظام الأسد»، وعليه فلم يعد أمامه سوى التفكير في العودة خائب الآمال، لكن بضمانات الأمن والحماية وتحت رعاية الأمم المتحدة.

رأي (ع.م) يعارضه البعض ممن لا يعتقدون أنه بمقدورهم العودة في ظل استمرار الوضع على ما هو عليه، إذ لا أمن ولا استقرار يشهده البلد فعلياً، بينما آخرون يضعون شرطاً محدداً للعودة لا تراجع عنه «لا عودة في ظل وجود النظام الحالي» الذي سلب من الكثيرين أغلى ما ومن لديهم في رحى الحرب الدائرة في سوريا.. تمثل العودة إذاً بالنسبة للكثيرين الخيار المُر، عسل الحنين الممزوج بسمّ المخاطر والمخاوف الأمنية، وسط تساؤلات عن ضمانات عدم تعرض بعض العائدين إلى أي ملاحقات أو مضايقات من جانب النظام.

تلعب روسيا من جانبها دوراً في مسألة التشجيع إلى «العودة الآمنة والطوعية»، وقد أسست مركزاً لاستقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين العائدين، كما أعلن النظام نفسه في أغسطس الماضي عن تشكيل هيئة إعادة اللاجئين السوريين، وهي الهيئة التي أطلق عليها (هيئة التنسيق لإعادة المهجرين السوريين بالخارج) برئاسة وزير الإدارة المحلية والبيئة، فيما أعلن المركز الروسي في أغسطس الماضي عن أن «الراغبين في العودة إلى سوريا يمثلون أكثر من 1.7 مليون سوري»، وأن «1.2 مليون نازح عادوا إلى منازلهم منذ عام 2015».

عودة ضرورية
مساعدة رئيس تيار بناء الدولة السورية، منى غانم، تعتقد بأن «من حق كل السوريين أن يعودوا إلى سوريا»، وتشدّد على أن تيارها يدعم بقوة مبادرة عودة اللاجئين «لأننا نرى أن أوضاع الكثير من اللاجئين في مناطق كثيرة صعبة جداً في ضوء الكثير من الأزمات التي يعانون منها»، وبالتالي تعتقد بأنه لابد أن تكون هناك عودة، لكنها عودة بشروط، أن تكون عودة آمنة وطوعية.

وتوضح المعارضة السورية في تصريحات لـ«البيان» أن «العودة المطلوبة يجب أن تكون آمنة وطوعية، وأن يحافظ اللاجئ على موفقه السياسي وأمنه الشخصي.. وبالتالي نحن نعمل على الضمانات اللازمة من روسيا نحو عودة آمنة وطوعية»، مشيرة في السياق ذاته إلى أن من بين الضمانات ألا يعود اللاجئ فيقع تحت ضغط المخابرات والتجويع وما إلى ذلك.

وتوضح غانم أن هناك لاجئين في مناطق الجوار اختاروا العودة على البقاء في مناطق صعبة مثل لبنان، وهناك لاجئون لديهم ملفات مع النظام مثل بعض المتواجدين في تركيا والأردن، مختتمة: «عودة اللاجئين أساسية وضرورية.. أنا شخصياً أريد أن أعود لكني لا أريد أن أغير موقفي السياسي».

وشهدت الشهور الماضية عودة المئات من اللاجئين السوريين من لبنان بشكل خاص على أكثر من دفعة، وتتواصل الدفعات العائدة تباعاً. لكن في تصور رئيس هيئة التفاوض نصر الحريري، فإن «عودة اللاجئين أمر حيوي يصبّ في مصلحة السوريين، إلا أنه من الخطأ الذهاب إلى هذه الخطوة المبكرة من دون حل سياسي شامل»، مشيراً إلى أن «العودة من دون حل سياسي ستضع السوريين تحت خطورة الانتقام».

إعادة الإعمار
من ناحية أخرى، فإن شكوكاً واسعة يثيرها البعض بشأن نية النظام من حرصه على تشجيع مسألة العودة، يوجزها رئيس الهيئة العامة للاجئين السوريين في مصر تيسير النجار، بقوله إن النظام يحاول استغلال أموال إعادة الإعمار، بعد أن ربطت الأمم المتحدة المشاركة في إعادة الإعمار بالحل السياسي، ويتضمن الحل عودة اللاجئين، ومن ثم يحرص النظام على تشجيع العودة من أجل أموال إعادة الإعمار في سوريا، إضافة إلى محاولته دعم صفوف جيشه بعناصر شبابية جديدة من العائدين. لكن النجار يعتقد في السياق ذاته بأن ما يروج إليه النظام هو «عودة زائفة»، إذ لا يمكن الثقة في تعهداته.

ويشدد لـ«البيان» على أنه بعد أن فرض النظام سيطرته على الأرض يسعى الآن إلى إعادة إعمار المناطق التي دمّرت، ولا يجد المموّل، حتى أنه تمت مطالبة العالم بدعم عملية إعادة الإعمار، ولم يلق النظام أية استجابة (في إشارة لموقف دول أوربية والأمم المتحدة، ربطوا المشاركة في إعادة الإعمار بالحل السياسي)، وبالتالي الرهان هنا بالنسبة للنظام على الحل السياسي وعودة اللاجئين.

رئيس المجلس الوطني الأسبق د.عبد الباسط سيدا، يقول لـ«البيان» إن العودة إلى الوطن «شبه مستحيلة» في ظل الفوضى الأمنية وقمع النظام لكل السوريين، مشيراً إلى أن العودة إلى الوطن حق مشروع ولابد منه لكنه لن يكون في ظل الدولة البوليسية.. متسائلاً: «من هجَّرَ هذه الملايين؟». ويضيف سيدا: «البعد السياسي هو الطاغي على مسألة عودة اللاجئين.. روسيا تحاول الدخول في إعادة الإعمار من بوابة عودة اللاجئين، فضلاً عن التسويق للعالم أن الأزمة السورية انتهت، بينما طبول الحرب لا تزال تقرع في مدينة إدلب».

مخاوف أمنية
العائلات السورية اللاجئة في عمَّان على سبيل المثال لديها مخاوف من النظام السوري وما كان يمارسه من الاعتقالات وغيرها، وإن قُدمت ضمانات فلا يمكن الثقة بها، حسبما يؤكد رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية علي مذوذ الجاسم لـ«البيان»، حيث شدّد على أن «من سيعود سيتوجه إلى المدن الأساسية وسيبتعد عن الأرياف التي أصبحت مدمرة بالكامل».

ويتوقع الجاسم أن تعود أعداد قليلة في بداية الأمر، ومن ثم بعد تشكيل الانطباعات عن الحياة كيف أصبحت وهل يوجد آمان أو لا ستزيد الأعداد وفقاً لذلك. موضحاً أن «الخدمات الأساسية في كثير من الأماكن قد تضررت من الصحة والتعليم وغيره، وبالتالي إعادة الإعمار يحتاج الى سنوات عديدة».

حديث الجاسم يلفت النظر إلى واحدة من أقوى العقبات المهددة لعودة اللاجئين، وهو مدى توافر الخدمات والبنى التحتية القادرة على استيعاب العائدين بعد الدمار الكامل الذي شهدته مدن وبلدات سورية، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الداخلية.

الناشط الحقوقي والمُعارض السوري محمد جوجة، يشير لـ«البيان» إلى أن العودة في ظل الظروف الأمنية التي تشهدها سوريا صعبة للغاية، وحتى الآن لم تسجل أرقام «معقولة» لعودة اللاجئين، خاصة من الدول الأوروبية. موضحاً أن «السلطات اللبنانية تمارس ضغوطاً هائلة على عودة اللاجئين إلى الأراضي السورية، إلا أنه ورغم هذه الضغوط لم تسجل أرقام باستثناء بعض الحالات الفردية التي ليست في سجلها أية ملاحظات أمنية»، وفق قوله.

كما يشير أيضاً إلى أنه «في مخيم عرسال اللبناني هناك ما يقارب 80 ألف لاجئ، إلا أن من سجلوا أسماءهم للعودة إلى الأراضي السورية لا يتجاوزون 3 آلاف شخص فقط»، معتبراً أنهم يمثلون نسبة ضئيلة جداً، كما يلفت إلى أن هناك خلافات لبنانية سورية حول العودة، ففي الوقت الذي تريد السلطات اللبنانية عودة جماعية للاجئين، إلا أن سلطات النظام اقترحت عودة على دفعات بحيث يعود 400 لاجئ في كل دفعة.

17000
تشير أرقام مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في الأردن إلى أن مجمل حالات العودة الطوعية للاجئين السوريين في الأردن ابتداءً من عام 2016 حتى نهاية يونيو الماضي بلغت نحو 17 ألف لاجئ، وهو رقم ضمن المعدلات الاعتيادية.
وتوضح الأرقام أن عدد اللاجئين السوريين الذين تم تسجيلهم في سجلات المفوضية كلاجئين في الأردن بلغ قرابة 667 ألف لاجئ.

5
نشرت هيئة الهجرة التركية أخيراً تقديراً يشير إلى أن عدد اللاجئين السوريين في تركيا سوف يتجاوز 5 ملايين نسمة بحلول عام 2028، وهو الأمر الذي اعتبره مراقبون بمنزلة إنذار مبكر.
ومنحت تركيا وضعية «حماية مؤقتة» لثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ، وانخفض عدد السوريين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين إلى نحو 205 آلاف.

وبحسب بيانات هيئة الهجرة، فإن إسطنبول تستضيف نحو 565 ألفاً تليها شانلي أورفا (470 ألفاً).

150
بدأ اللاجئون السوريون في تركيا يقضّون مضاجع أنقرة، إذ أخذت حكومة أردوغان تنظر إليهم باعتبارهم «قنبلة سكانية موقوتة» قد تنفجر في وجهها في أي لحظة، وتشكّل عبئاً كبيراً على البلاد اقتصادياً واجتماعياً. ومنذ بداية العام حتى أغسطس الماضي 2018، ألقت السلطات التركية القبض على نحو 150 ألف لاجئ سوري.
ومنذ 2013، ألقت السلطات القبض على نحو 40 ألف لاجئ في 2013، ونحو 60 ألفاً في 2014، وأكثر من 146 ألفاً في 2015، وما يزيد على 174 ألفاً في 2016، ونحو 176 ألفاً في 2017.

1

تقدّر الأمم المتحدة عدد اللاجئين السوريين في لبنان بنحو مليون لاجئ بينما يُقدّر لبنان عددهم بنحو المليون ونصف المليون.
وأظهر مسح أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين السوريين أن هناك 735 ألفاً و500 سوري في لبنان نزحوا من مناطق سورية باتت آمنة.
وأخيراً، عادت 6 دفعات من اللاجئين السوريين في لبنان إلى أراضيهم طوعاً، من دون وجود أي أرقام رسمية.

اقرأ أيضا

 

كلمات دالة:
  • سوريا،
  • تركيا،
  • الأردن ،
  • لبنان ،
  • مصر ،
  • اللاجئين السوريين،
  • العودة،
  • حقو العودة
طباعة Email
تعليقات

تعليقات