رؤية أميركية أكثر تدخّلاً بالصراع في سوريا

قبل ما يسمى "الربيع العربي" كانت السياسة الأميركية حيال سوريا تركز على العلاقات مع إسرائيل وصناعة السلام الفلسطيني الإسرائيلي وإنهاء الصراع التاريخي في الشرق الأوسط، وفي أقل الأحوال الحفاظ على الوضع كما هو.

وكانت واشنطن تحسن التعامل مع النظام السوري وفي حالة من التفاهم معه خصوصاً حول ضبط ميليشيا حزب الله اللبناني وحركة حماس، حيث كانت سوريا من خلال هاتين الحركتين (الورقتين) تحصل على ما تريد من أميركا والعكس صحيح.

مع بداية الربيع العربي، اتخذت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما موقف التجاهل، ولم تكن هناك نية أميركية للتورط بقضايا الشرق الأوسط باعتبارها صداعاً دائماً، وكان من حسن حظ سوريا وجود التجربة الليبية العسكرية، حيث فضلت إدارة أوباما ألا ينسحب السيناريو الليبي على الحالة السورية. وذهبت إلى دعم خجول للمعارضة السورية، من دون محاولة تغيير النظام بشكل جدي، وحاولت في الوقت نفسه تطبيق السيناريو المصري على سوريا من خلال دعوات أوباما لرحيل الأسد عن السلطة.

وفي سورية بالتحديد، كان العامل الإيراني يتحكم بالسياسة الأميركية، وقد كثفت إدارة أوباما بشكل رئيسي جهدها لإنهاء الملف النووي الإيراني، وكانت سورية إحدى الساحات الحيوية التي هندست السياسة الأميركية مع إيران، وحرصت ألا تزعج إيران في سوريا ولا تدعم المعارضة بشكل قوي، وتنتهج لغة سياسية متوازنة حيال الأسد، حيث اكتفت بالتصريحات دون الفعل.

وبالفعل نجحت في إنجاز الاتفاق النووي الإيراني على حساب التفاهم حول سورية مع إيران.. وعلى الرغم من خطورة استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة في أغسطس 2013، إلا أن الإدارة الأميركية لم تتحرك، وكسبت أمرين: الأول سحب الترسانة الكيماوية من النظام والثاني مساومة إيران على بقاء الأسد وإطلاق يدها مقابل الصفقة النووية.. وبقيت أميركا على هذه السياسة البراغماتية، حيث تكسب من الفرص السورية فقط من دون أن ترسم سياسة مستقلة في سوريا.

تحوّل

في بداية العام 2014 حدث هناك تحول في السياسة الأميركية مع تنامي خطر داعش والحركات الإرهابية الأخرى، وأصبح التركيز على المتطرفين، وتم تأسيس غرفة عمليات الموك والموم. وكان هناك سؤال أميركي رئيسي: هل نتعامل مع بشار الأسد ونضرب الحركات المتطرفة ونقوّي الدولة السورية ومن ثم نعمل على الحل السياسي؟.

وجرى اتفاق بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف أن يجري العمل لإضعاف المعارضة وتحجيم الدعم، ولم تكن الدول الإقليمية تدرك هذا التحول الأميركي جدياً، واستمرت بعض الدول بدعم «جيش الفتح» رغم أن القرار الأميركي كان عدم دعم أو على الأقل تقوية المعارضة.. وفي تلك الفترة تم الاتفاق الأميركي الروسي على دخول الجيش الروسي في أكتوبر 2015.

جديّة

في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت هناك رغبة جدية في تغيير السياسة الأميركية في سوريا وتغيير طريقة التفكير كلياً هناك. لكن إرث أوباما في سوريا عميق وترك لترمب ميراثاً ثقيلاً في سوريا.. ونتيجة تعقيد الصراع وبلوغه مرحلة متقدمة لم تكن إدارة ترامب تقدم على رسم سياسة جديدة، واستفادت من نتائج سياسة أوباما التي حققت مكاسب سهلة من دون مقابل في سوريا، لكن ترامب كان أكثر جرأة، إذ استهدف مقار النظام في أكثر من مرة، بعد مجزرة خان شيخون وبعد مجزرة الغوطة، بينما أوباما كان قد توقف كثيراً عند مجزرة الغوطة.

لكن مشكلة إدارة ترامب أنها ما زالت غير مرتبة في موضوع سوريا، فالعديد من المسؤولين الأميركيين يتذمرون من سياسة ترامب ويعتبرونها لا تفضي إلى نتيجة، خصوصاً في ظل تغير المسؤولين الأميركيين بشكل دوري، إلى أن جاء المسؤول المباشر على الملف جيمس جيفري ووضع رؤيته للاستراتيجية الأميركية في سوريا، التي يبدو أنها أصبحت خارطة طريق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات