قضية

درنة الليبية ..دقت ساعة الاقتحام

أكمل الجيش الليبي الذي يحاصر مدينة درنة منذ مدة، كل الاستعدادات لاقتحام المنطقة وتحرير درنة من براثن الإرهاب. حيث قضت عودة القائد العام للجيش الليبي، المشير خليفة حفتر إلى ليبيا على أحلام الجماعات الإرهابية كالإخوان والجماعة المقاتلة في تشتيت تركيز القوات المسلحة في حربهم المنتظرة لتحرير مدينة درنة، ورجحت مصادر مسؤولة أن يكون التحرك تجاه درنة قبل حلول رمضان.

فوجود قيادات عسكرية كبيرة مع حفتر في القاهرة، غرضه التأكيد على وحدة الجيش الليبي وقطع الطريق على محاولات إحداث شرخ في صفوفه، خاصة أن معركة درنة قد تدخل مرحلتها الحاسمة خلال أيام.

وفي العاشر من أبريل الجاري، قال حفتر، إن الجيش سيتحرك لتحرير مدينة درنة بعد أن طالت المدة للاعتقاد بأن هناك حلاً سلمياً يخفف نزيف الدم،

ونقل مكتب الإعلام بالقيادة العامة للقوات المسلحة عن المشير حفتر قوله إن الجيش يتبع أسلوباً معيناً لمحاربة عدوه الواضح في المدينة، وأنه أعطى مساحة كبيرة جداً لاستسلام الخصم. وتابع أن «المواطنين يطالبون بتحرير درنة ونحن سنتحرك لتحريرها»، مضيفاً في حديثه أن كلامه موجه لأولئك الذين يصدقون ما تروّج له الجماعات المسلحة في درنة.

وأكد الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الليبي، العميد أحمد المسماري وجود «63 عنصراً أجنبياً» مع مقاتلي مجلس شورى مجاهدي درنة،.

مشيراً إلى أن الجيش الليبي نسق مع مصر لغلق حدودها مع ليبيا، لمنع هروب الإرهابيين إليها خلال معركة تحرير درنة التي يتم التجهيز لها، لتكون معركته المقبلة ومشدداً على أن الإعداد لشن الهجوم الشامل على تنظيم القاعدة في مدينة درنة بدأ في ظل وجود دعم سياسي دولي وتنسيق وحيد مع مصر، مبيناً أن هذه المعركة لتحرير درنة ستكون فريدة من نوعها ونموذجاً حديثاً في المعارك الجبلية ضد الإرهابيين.

ويشير المراقبون إلى أن معركة تحرير درنة، وإن كانت تمثل تحدياً مهماً للجيش الوطني الليبي، إلا أنها تعتبر محسومة من الناحية العسكرية، نظراً لنجاح القوات المسلحة في قطع خطوط الإمداد البري والبحري على التنظيمات الإرهابية، يضاف إلى ذلك أن الجهات الرسمية استطاعت منذ فترة غير قصيرة، اختراق صفوف العدو، وامتلاك قوى رديفة في داخل المدينة، ستكون جزءاً من قوة الاقتحام.

من جانبه، قال الناطق باسم مجلس النواب الليبي عبد الله بليحق إن القوات المسلحة الليبية تحاصر مدينة درنة منذ أكثر من عامين، ونعلم أن من يوجد داخل مدينة درنة هم مجموعة من التنظيمات الإرهابية، التي تحتل هذه المدينة. وأشار إلى أن سلاح الجو الليبي يستهدف المجموعات الإرهابية في درنة بحسب الإمكانيات المتوفرة لدينا.

ولا تزال درنة إلى اليوم تلتحف بالسواد، يعيش سكانها البالغ عددهم 80 ألف نسمة تحت وطأة الرعب الدائم، ينتظرون لحظة الخلاص، ويحلمون بيوم تعود فيه الحياة إلى بهجتها، ويخرجون فيه من الظلام والجهل والإرهاب إلى نور الحرية والكرامة والأمل.

من درنة إلى أفغانستان والعراق

عرفت درنة بكونها أكثر مدن ليبيا تصديراً للمقاتلين إلى أفغانستان للمشاركة في الحرب ضد الاحتلال السوفييتي، ثم عودتهم ليعرفوا باسم الأفغان الليبيين المنضوين تحت راية الجماعة الإسلامية المقاتلة المرتبطة عقائدياً وتنظيمياً بتنظيم القاعدة، ويجمع الخبراء على أن أغلب هؤلاء إرهابيون ترعرعوا على الفكر الإخواني داخل مدينة أنجبت العشرات من عناصر الجماعة الإرهابية منذ خمسينيات القرن الماضي.

وبعد 2003 أصبحت درنة منطلقاً للمقاتلين، وخاصة الانتحاريين، المتجهين إلى العراق، وهو ما أكدته وثائق أميركية تم الكشف عنها في العام 2008 حيث أشارت إلى أن حوالي 6o بالمئة من المسلحين الذين يأتون من ليبيا هم من من مدينة صغيرة شرق ليبيا تسمى درنة، وحوالي 80 في المئة من الليبيين الذين يختارون القيام بعمليات انتحارية يأتون من هذه المدينة، الأمر الذي لفت نظر المتابعين والمحللين.

وما إن بدأت التحركات الاحتجاجية ضد نظام الزعيم الراحل معمر القذافي في 17 فبراير 2011، حتى سيطرت عليها الجماعات المتشددة منذ الساعات الأولى للأحداث.

وفي يوليو 2011 اغتال المتطرفون اللواء عبد الفتاح يونس العبيدي، في واحدة من أبشع الجرائم، حيث قاموا بتعذيبه بشكل غير مسبوق للثأر من قيادته مواجهات مسلحة ضدهم في أحراش الجبل الأخضر في العقد الماضي عندما كان وزيراً للداخلية.

ومن بين المتهمين بالتورط في اغتيال يونس، أحمد أبو ختالة المتهم كذلك في التورط في اغتيال السفير الأميركي بتفجير قنصلية الولايات المتحدة في بنغازي في ديسمبر 2012.

ضربات جوية

وفي 16 فبراير 2015 أعلنت القوات المسلحة المصرية، شن ضربات جوية على معسكرات تابعة لتنظيم داعش في درنة، رداً على جريمة مقتل 21 قبطياً في مدينة سرت، وقال بيان للجيش المصري إن طائراته نفذت ضربات على معسكرات تدريب ومخازن أسلحة تابعة للتنظيم.

وأن الضربة الجوبة «حققت أهدافها بدقة»، مضيفاً أن الضربة الجوية جاءت «تنفيذاً للقرارات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطني وارتباطاً بحق مصر في الدفاع عن أمن واستقرار شعبها والقصاص والرد على الأعمال الإجرامية للعناصر والتنظيمات الإرهابية داخل وخارج البلاد».

من جهته قال قائد القوات الجوية الليبية، العميد صقر الجروشي، إن قصف المقاتلات المصرية لمواقع لتنظيم الدولة تم بالتنسيق مع الجيش الليبي، مشيراً إلى أن ما بين 40 و50 متشدداً قتلوا في الضربات الجوية.

وفي 17 مايو 2017 قالت مصادر عسكرية مصرية إن ضربات جوية جديدة استهدفت معاقل لجماعات متطرفة قرب مدينة درنة، شرقي ليبيا، رداً على هجوم وقع في محافظة المنيا في صعيد مصر وأدى إلى مقتل 29 شخصاً.

وأعلن الجيش المصري أن قواته الجوية نفذت ضربات على معسكرات لمتشددين في ليبيا تأكدت مشاركتهم في تخطيط وتنفيذ الهجوم، وقد دمرت القوات الجوية المصرية المركز الرئيسي لمجلس شورى مجاهدي درنة دماراً كاملاً، كما قتلت عدداً من عناصره.

وجاء قرار الجيش الوطني الليبي باقتحام مدينة درنة، ليطوي الصفحة الأخيرة من الإرهاب بشرق البلاد، وليضع حداً لتمرد المتشددين ضد مؤسسات الدولة، وهو تمرد يعود إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

واستمر لأكثر من ثلاثة عقود في أشكال مختلفة، وانجرت عنه مواجهات مسلحة مع النظام السابق، وخاصة في الغابات والأحراش الجبلية، والأودية والمغاور، حيث اعتاد الإرهابيون على التخفي.

مدينة ليبية تناوبت عليها الجماعات المتطرفة

مدينة درنة، شرق ليبيا، مدينة تناوبت عليها الجماعات المتطرفة، حيث زحف نحوها ما يسمى مجلس شورى «مجاهدي مدينة درنة»، الاسم التجميلي لتنظيم القاعدة، أو بعض فلوله، والذي يضم ليبيين، وأغلبه أجانب من بلدان العالم، واستمر التنظيم يحكم درنة حتى قرر تنظيم داعش محاربة تنظيم القاعدة.

داعش هاجم درنة، ووقع صراع بين التنظيمين بعد مقتل ناصر العكر، أحد زعماء عصابات «القاعدة»، ومساعده على يد عصابات «داعش». واتهم مجلس القاعدة في درنة «داعش» باغتياله وتعهد بالثأر له، وتم دحره من درنة.

وفي أبريل 2012، أسس بن قمو تنظيم أنصار الشريعة في درنة بالتوازي مع فرع بنغازي بقيادة محمد الزهاوي، حيث تم استقطاب مسلحين ليبيين ومن جنسيات أخرى ضمن مشروع التحالف القائم بين تنظيم القادة وجماعة الإخوان، حيث خيّم عليها سواد الرايات، وفتحت مراكز التدريب على القتال.

وتم منع الاختلاط، وأغلقت محلات الزينة، ومنع الاختلاط في المدارس ومؤسسات العمل، كما منعت المرأة من قيادة السيارة، ودخلت المدينة في فوضى الاغتيالات والتصفية الجسدية ضد كل من عمل في النظام السابق وخاصة في المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية.

فقد شهدت درنة أكثر من 65 عملية اغتيال خلال العامين 2012 و2013، وتم توثيق 120 عملية اغتيال حتى العام 2016، بينما تشير مصادر محلية إلى العدد الإجمالي لمن تعرضوا للتصفية الجسدية بالمدينة حتى نهاية 2017 تجاوز 200 ضحية سواء بإطلاق الرصاص أو بالعبوات المزروعة في السيارات أو بقطع الرؤوس أو بالسحل أو بالصلب أمام بصر العالم والمجتمع الدولي،.

وقد طالت الاغتيالات عسكريين وأمنيين وقضاة ومسؤولين محليين سابقين وفنانين وناشطين حقوقيين، ووصل الأمر إلى حد قطع رؤوس عسكريين في مشاهد استعراضية أمام الأطفال.

وفي نوفمبر 2014، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن الجماعات المسلحة المسيطرة على مدينة درنة تروع السكان من خلال عمليات إعدام ميداني وجلد علني وغير ذلك من ضروب الانتهاكات العنيفة، وتتم الانتهاكات في غياب سلطات الدولة وسيادة القانون.

ومنذ 2013 قام معتدون مجهولون في درنة باغتيال ما لا يقل عن 5 من القضاة وأفراد النيابة، وبرلمانية سابقة ومسؤولة أمنية. كما قامت مليشيات مسلحة غير محددة الهوية بمهاجمة وتدمير أضرحة في مساجد، وبينها مسجد الصحابة التاريخي في درنة الذي استهدفه المتشددون مراراً منذ 2011.

بالمقابل، دفعت عمليات الاغتيال والتصفية التي طالت عدداً كبيراً من أبناء المدينة، بمئات المقاتلين من أقارب المغدورين إلى تشكيل كتائب أولياء الدم منذ العام 2012 لتنشط بين درنة وبنغازي، قبل أن تنضم إلى عملية الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني في منتصف مايو 2014.

وتشكلت كتائب أولياء الدم في المناطق المجاورة لمدينة درنة، وكانت في بدايات تأسيسها تعتمد على مصادر التمويل الذاتية للحصول على السلاح والذخيرة، إلى أن تحصلت على دعم كامل من الجيش الوطني.

في تلك الأثناء، كان الجيش الوطني الليبي يقود معارك طاحنة ضد الجماعات الإرهابية في بنغازي، من خلال عملية الكرامة التي أطلقها المشير خليفة حفتر في مايو 2014، وكانت درنة من أبرز الأهداف الرئيسية للجيش الوطني، وفي 12 نوفمبر 2014 نفذ الطيران الليبي غارات جوية على مواقع تمركز الإرهابيين بالمدينة انتقاماً لضحايا تفجيرات بسيارات مفخخة استهدفت بنغازي وطبرق.

وفي السادس من ديسمبر من العام ذاته، أعطيت الأوامر للجيش الليبي بالهجوم البري على درنة حيث تحركت وحدات عسكرية مسافة كيلوميترات قليلة داخل المدينة لتستعيد السيطرة على بعض القرى والطرق الرئيسية.

ليبيا وجهة «داعش» بعد الهزيمة في سوريا والعراق

لن تكون هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا نهاية للحرب على الإرهاب في المنطقة، حيث بدأت عناصر من التنظيم الإرهابي بالتسلل والانتقال إلى ليبيا.

وتعزز التنسيق الأمني بين مصر وتونس والجزائر لمواجهة تسلل عناصر من تنظيم داعش إلى ليبيا، وأشارت تقارير أمنية إلى اهتمام «داعش»، بليبيا التي تتوافر بها المقومات التي تسمح له بالعودة مجدداً، وأهمها استمرار انتشار السلاح. وقالت مجلة «إيكونوميست» البريطانية، في تقرير لها، إن التنظيم الإرهابي تراجع إلى صحراء ليبيا ليجعل منها أكبر تهديد خارج الشام والعراق.

وتمكنّوا رغم الخسائر التي لحقت بهم في سرت من إعادة حشد أنفسهم في الصحراء. وفي تقرير لشبكة «فوكس نيوز» الإخبارية الأميركية، يوليو الماضي، يشير خبراء الإرهاب إلى أن التنظيم يسعى إلى الاستفادة من الوضع الأمني والسياسي الفوضوي لاستخدام ليبيا كقاعدة انطلاق لعودة ظهوره، حيث يحاول التنظيم تجنيد الإرهابيين من المناطق الجنوبية الريفية.

من جهة أخرى يخشى المسؤولون الليبيون من خلايا التنظيم النائمة التي تنتشر في البلاد، والتي تتبع أساليب دموية يمكن أن تستخدم في أماكن عدة تشمل العاصمة طرابلس ومدناً أخرى.

في مقابل هذا ترجح أصوات أخرى تحول التنظيم بعد نهايته إلى دول الجوار، خاصّة وأنّ أغلب هؤلاء المقاتلين ليسوا ليبييّن. وكانت فرنسا أول من حذر من خطر انتقال عناصر من تنظيم داعش إلى هذه الدول، عندما يتم طردهم من المناطق التي يحتلونها في ليبيا.

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها دول الجوار لمنع عناصر "داعش" من التسلل إلى أراضيها عبر الحدود الليبية، يرى مراقبون، أن هذه الحدود تبقى وبرغم اليقظة الأمنية «رخوة».

وأخيراً كشفت صحيفة «صنداي إكسبريس» البريطانية عن أن وزارة الدفاع البريطانية أرسلت قوات المهام الخاصة إلى ليبيا للقتال ضد تنظيم داعش وتحطيم شبكات تهريب البشر فيها.

وأشار تقرير الصحيفة إلى توافد المئات من مقاتلي التنظيم إلى شمال إفريقيا بعد هزيمتهم في الرقة والموصل، ولهذا فإن ثمانين فرداً من القوات البريطانية الخاصة مدعومين بأربعين خبيراً بريطانياً قد التحقوا بقوات إيطالية وفرنسية في عملية بالغة السرية، لمنع إنشاء قاعدة للإرهابيين في ليبيا.

ومن ضمن مهام هذه القوة أيضاً استهداف عصابات التهريب، وحث القوات الليبية النظامية على اتخاذ مواقف أكثر صرامة ضد مهربي البشر عن طريق تدمير قواربهم.

حيث سبق لوزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، أن أشار إلى هذه المعضلة خلال لقائه بفائز السراج في شهر مايو الماضي، وشدد على أن ليبيا ستتحول إلى دولة فاشلة إذا ما استمر هذا الوضع وستصبح ملاذاً للإرهابيين، وتجارة السلاح، والاتجار بالبشر.

 

تعليقات

تعليقات