كأس العالم 2018

قضية هل يفعلها «سوتشي»؟

سلام سوريا.. وعقبات في طريق «سوتشي»

صورة

لم تجد كل المؤتمرات الدولية السابقة بشأن أزمة سوريا نفعاً، ولم تفض ولو إلى بصيص أمل لإنهاء الصراع. ولعل في تعثّر الأمم المتحدة من خلال مبعوثيها ستيفان دي ميستورا ومن قبله الأخضر الإبراهيمي وكوفي عنان، أكبر دليل على حجم تعقيد الأزمة التي أشركت كل الأطراف الدولية في دوامتها بشكل أو آخر.

وبعد أخذ الصراع أبعاداً جديدة على المستويين الداخلي والإقليمي، تنامى نفوذ روسيا التي على ما يبدو هي الأكثر صبراً وتحمّلاً لأعباء هذه الأزمة، بعد أن باتت مفاصل القضيّة السياسية والعسكرية بيد رئيسها فلاديمير بوتين.

ولعل تنامي السطوة الروسية على مفاصل الأزمة السورية، دفع إلى ابتكار مسارات متعددة في الحل السياسي والعسكري، فعسكرياً أخذ مسار مفاوضات أستانا يحقق بعض خفض في العنف على أكثر من جهة.

إلا أن الحل السياسي ظلّ الأكثر صعوبة، ما جعل روسيا تخطّط لمسار جديد وهو مفاوضات سوتشي، علّها تحكم السيطرة على الأزمة، وتتمكن من تحقيق اختراق، وإجراء تسوية لأكثر الصراعات تعقيداً في المنطقة، فهل سيكون «سوتشي» ممهد الحل الروسي للأزمة السورية؟

ينتظر أن تعقد مشاورات سوتشي في روسيا 29 و30 من يناير الجاري، فيما لم تتضح حتى اللحظة صورة المؤتمر من حيث طبيعة الحضور السياسي من جانب المعارضة التي ترفض في المجمل الذهاب إلى مؤتمر عملت روسيا على تحديد أولوياته، واشترطت فيه مسبقاً أنّ مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد خارج أي نقاش، الأمر الذي جعل المعارضة تنظر إلى هذا المؤتمر على أنه محدد الأجندة.

إلغاء

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شعرت المعارضة السورية أن مؤتمر سوتشي هو بمثابة إلغاء لوجودها، وأنّه في حال الذهاب إليه ستكون خارج الحسابات السياسية، وستكون منفّذة للأجندة الروسية، ما دفعها إلى الحشد السياسي والشعبي ضد المؤتمر وعرقلته بشكل واضح. فهي قالت في بيان وقّع عليه ما يقارب 40 فصيلاً بينها بعض الفصائل العسكرية التي شاركت في جولات سابقة بجنيف.

إنّ موسكو لا تمارس ضغوطاً على الحكومة السورية للتوصل إلى تسوية سياسية. وأشار البيان إلى أنّ روسيا لم تسهم ولو بخطوة واحدة في تخفيف معاناة السوريين، ولم تضغط على النظام وهي تزعم أنها ضامنة للتحرّك في أي مسار حقيقي نحو إيجاد حل.

ووفق مصادر «البيان»، إنّه وحتى منصة موسكو القريبة جداً من روسيا ليست مقتنعة بأجندة مؤتمر سوتشي، وليست متحمّسة للمشاركة طالما أن روسيا تريد تحديد أولوياته.

وكان الموقف الرسمي للائتلاف الوطني السوري، منذ الاجتماع الماضي للأمانة العامة في نوفمبر الماضي، قال إنه لن يشارك في مؤتمر سوتشي، معتبراً أنه لا يخدم الحل السياسي، ومع ذلك هناك أطراف في المعارضة السورية، لا تريد التعجّل في اتخاذ قرار من مؤتمر أستانا، إذ أعلن وفد المعارضة أنه سيتخذ قراره بشأن المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي بعد مشاورات مع أطراف أخرى في المعارضة.

دراسة خيار

وقال رئيس وفد المعارضة السورية إلى أستانا، أحمد طعمة، في ختام الجولة الثامنة من المفاوضات الشهر الماضي: «وجّهت لنا الدعوة، ولكن لا نريد أن نتخذ قراراً مستعجلاً، نريد أن نتشاور مع القطاعات العسكرية أولاً، ومن ثمّ مع الأطياف السياسية ونعود إلى مرجعياتنا لكي نتخذ القرار النهائي».

وعلمت «البيان» من مصادرها في المعارضة السورية، أن كتلاً سياسية داخل الائتلاف تدرس خيار التوجّه إلى مشاورات سوتشي، إلا أنها تراقب المواقف الدولية والإقليمية، رغم اتفاق أغلبية أطراف المعارضة على رفض حضور «سوتشي».

وفي هذا الإطار، قال رئيس المجلس الوطني السوري السابق د. عبدالباسط سيدا في تصريحات لـ«البيان»، إنّه وإذا أرادت روسيا فعلاً العمل على إنجاح هذا المؤتمر، يجب أن تنظر بواقعية إلى الأزمة السورية، وتأخذ بعين الاعتبار مصلحة الشعب السوري وليس مصلحة النظام. وأضاف سيدا أنّ انفراد روسيا بالملف السوري.

لا يعني أنّها قادرة على فرض أجندتها على الشعب السوري، مؤكّداً أن الحل في سوريا لن يكون عبر الإملاءات من أي طرف، لا سيّما روسيا.

واعتبر أنّ مؤتمر سوتشي وفق المقاييس الروسية لن يكون مجدياً، وبالتالي فإنّ المعارضة غير قادرة على حرق نفسها بالذهاب إلى مؤتمر لا يمنحها أي شيء، من أجل التوصل إلى حل سياسي.

تهاون روسي

ويقول أحد المعارضين السوريين البارزين في تصريحات لـ«البيان»، إنّ يومين لا يكفيان لاستقبال الوفود السورية، فكيف تريد روسيا أنّ تعمل على مؤتمر لأكبر أزمة في المنطقة في غضون يومين فقط.

وأضاف المعارض الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أنّ المؤتمر الذي دعت له روسيا أكثر من 1500 شخصية سياسية لا يمكن أن ينجح وسط تضارب الاتجاهات والرؤى حول الحل، مشيراً إلى أن روسيا تريد من هذا الحضور التوقيع فقط وليس الاتفاق على الحل السياسي.

وتشير كل التصريحات من المسؤولين الروس، إلى أن المهمة الأساسية لمؤتمر سوتشي هو «صياغة دستور جديد تُقام على أساسه انتخابات حرة في سوريا». وفي هذا السياق، أوضح نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف وفق وكالة سبوتنيك الروسية، أن «لجنة دستورية ستُشكّل في المؤتمر لتكون بمثابة مصدر للتشريع حول جميع المسائل، وهذا ينسجم تماماً مع تصريحات المبعوث الأممي للأزمة السورية ستيفان دي ميستورا، الذي قال للمعارضة في أكثر من مرة إن أي حل سياسي في سوريا يجب أن يكون عبر الدستور.

ولعل من القضايا التفصيلية الأخرى، أن المؤتمر سيبحث تشكيل حكومة وحدة وطنية، وليس مرحلة انتقالية وفق قرار الأمم المتحدة 2254، الذي ينص على هيئة حكم انتقالي، وبالتالي يرى معارضون أنّ روسيا تريد حرف مسار الأزمة السورية، وانتزاع الملف من الأمم المتحدة والقفز على المرحلة الانتقالية، الأمر الذي عزز مخاوف المعارضة السورية.

تباينات

ورغم الشراكة الروسية التركية في اتفاق أستانا، إلا أن هناك تباينات بين الطرفين حول مؤتمر سوتشي، ومحور هذه التباينات اختلاف نظرة الطرفين إلى مشاركة الطرف الكردي الذي يعمل على مشروع الفيدرالية في الشمال السوري شرقي الفرات.

وعلى الرغم من تصريحات مبعوث الرئيس الروسي إلكسندر لافرونتيف، أن بلاده لن تدعو حزب الاتحاد الديمقراطي، إلّا أنّ أنقرة ما زالت تنظر بريبة إلى هذا المؤتمر، لا سيّما وأنّ دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي تعني الاعتراف به كطرف فاعل، فيما تعتبره أنقرة حركة إرهابية.

وعلمت «البيان» من مصادر كردية مطلعة، أن التفاهم الروسي الكردي، يقضي بدعوة شخصيات تنتمي للمؤسسات الفيدرالية في شمال سوريا، ولا يتم توجيه دعوات لأحزاب أو فصائل عسكرية كردية.

وأوضحت المصادر أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي، اقترح على روسيا أن توجه الدعوات لمؤسسات الفيدرالية، من أجل مشاركة أوسع من كافة مؤسسات الفيدرالية شمال سوريا. وأكدت أنّ روسيا ستدعو أكثر من 100 شخصية من مؤسسات الفيدرالية، الأمر الذي سيثير غضب الجانب التركي الذي يرفض أي اعتراف بحزب الاتحاد الديمقراطي.

وتشير التقارير إلى حالة من التقارب بين وحدات حماية الشعب الكردية وروسيا، لا سيّما في مدينة عفرين، إذ ينتشر عسكريون روس.لا توافق

ولعل كل هذه المقدمات تشير إلى أن مؤتمر سوتشي لن يكون محل توافقات إقليمية، ولن يكون موضع مباركة الجانب التركي. ولا يبدو الموقف الأميركي واضحاً من مؤتمر سوتشي، إذ يرى مراقبون أنّ واشنطن تعتمد مبدأ المراقبة عن بعد للسلوك الروسي في سوريا، ولا تعلن معارضتها لأي مؤتمر يدعو للحل السياسي، لكنها قادرة في أية لحظة على تخريب أية عملية ترى أنها لا تناسب مصالحها.

النقطة الوحيدة التي تجمع روسيا والولايات المتحدة، هي التوافق على ضرورة مشاركة الأكراد من خلال مؤسسات الفيدرالية في الشمال، الأمر الذي تستثمره روسيا للترويج لأهمية المؤتمر.

وثيقة جنيف

قال المعارض السوري ميشيل كيلو إنه لا يعتقد بأن مؤتمر سوتشي يفتح أفقاً للحل السياسي في سوريا، معتبراً أنّ تصوّر الروس للحلّ يخالف وثيقة جنيف1 والقرار 2118 والقرار 2254 الذين هم أنفسهم من كانوا وراءه قبل بضعة أشهر.

وأضاف أن الروس لا يوافقون على شيء اسمه الانتقال السياسي، وبالتالي تغيير بشار الأسد، وفي أذهانهم أنّهم سيوافقون على حكومة وحدة وطنية مرجعيّتها الأسد مع أنّ الهيئة الحاكمة الانتقالية مرجعيتها القرار الدولي، وبالتالي الأسد لا مكان له فيها. وختم بالقول إن سوتشي في هذه الحال "ليس مكانا للحل وإنما مكان للتعقيد والتأزيم".

أزمة أعيت من يداويها

لم يعد لدى روسيا أو المعارضة السورية أو حتى القوى الإقليمية الفاعلة في الملف، من أفكار سياسية للحل وإنهاء هذا الصراع، فيما استنفدت الأمم المتحدة كل السبل من أجل تحقيق اختراق في الأزمة، فمنذ أن وضع المبعوث الأممي الأول للأزمة كوفي عنان الخطوط العريضة، لا تزال الأمور تراوح مكانها حتى الآن.

وبقيت المؤتمرات التي عقدت بشأن الأزمة السورية من تفاهمات ميونيخ بين الروس والأميركان، و«فيينا1» و«فيينا2»، أوراقاً متناثرة سقطت مع تغيّر المشهد الدولي والداخلي. ولعل الإملاءات والإقصاء السياسي أثبتا فشلهما سياسياً وعسكرياً، وحجّما كثيراً من احتمال أن يكون مؤتمر سوتشي فرصة ذهبية للحل السياسي في سوريا، وتحقيق الحد الأدنى من مصالح الأطراف المتصارعة.

وما دامت روسيا هي الرقم الصعب في المعادلة السورية، فإنّ عليها دراسة أفضل طريقة للخروج بمؤتمر ناجح بعناية ودقّة، بما يحقق للجميع ما يتطلعون إلى أو على الأقل الالتقاء عند منتصف الطريق.

ولعل قاعدة لا غالب ولا مغلوب التي أنهت الحرب الأهلية في لبنان تعتبر برأي الكثيرين الصيغة المناسبة للحالة السورية، وكفيلة بأن تحفظ للجميع دوره في سوريا.

وتضمن في ذات الوقت عدم تجدد الصراع السياسي والعسكري، ما يجعل روسيا هي الدولة الأكثر قدرة على إنجاز الحل السياسي، على أن يكون حلاً ذكياً وحصيفاً، ما يتطلّب عدم الحديث عن أشخاص بقدر الحديث عن دولة ذات موقع استراتيجي في المنطقة، ذلك أن سوريا أكبر من النظام والمعارضة معاً. ووفق هذا المنظور فإنّ الحسابات الروسية يجب أن تتغير لضمان نجاح أي حل سياسي.

لقد ضاقت كل القوى العالمية ذرعاً بهذه الأزمة وتداعياتها على الأمن والسلم الدولي، فضلاً عن تحمّل الغرب لأعباء اللاجئين، الأمر الذي جعل هذه الدول تدخل في حالة من اليأس تجاه الأزمة، وبالتالي إن أي حل سياسي من هذا المنطلق يجب أن يكون بدفع دولي جماعي ضامن، لا على أساس الانفراد بهذا الملف، مثلما تريد روسيا أن تفعل في «سوتشي».

تعليقات

تعليقات